المحور الثالث: الواجب والمجتمع
إشكال المحور
إذا كان الواجب في جوهره التزاماً أخلاقياً يُلزم الفرد بأداء أفعال معينة أو الامتناع عنها، فإن السؤال الجوهري الذي يطرحه هذا المحور هو: من أين يستمد الواجب سلطته الملزِمة؟ هل مصدرها العقل والضمير الفردي الخالص، أم أن المجتمع هو الذي يُنتج قيمنا الأخلاقية ويُحدد واجباتنا عبر ضغوطه المستمرة؟ وإن كان المجتمع هو أصل الواجب، فهل يظل هذا الواجب حبيس الانتماء الضيق للجماعة أم يمكنه أن يتجاوزها نحو أفق إنساني كوني؟ هذه الإشكاليات المتشابكة بين الفرد والجماعة، وبين المحلي والكوني، تشكّل البؤرة التفكيرية لهذا المحور.
مواقف الفلاسفة: الواجب بوصفه صنيعة المجتمع
إميل دوركايم: الواجب صوت المجتمع داخل الفرد
يُمثّل الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم (1858-1917) أبرز المدافعين عن الأطروحة القائلة بأن الواجب الأخلاقي لا ينبع من داخل الفرد، بل هو انعكاس لصوت المجتمع يتردد في الضمير الشخصي. فالأخلاق عنده ليست اختراعاً فردياً، بل هي نتاج جماعي تراكمي تصوغه الجماعة الإنسانية عبر تاريخها الطويل.
يُؤسّس دوركايم موقفه على مفهوم الضمير الجمعي، الذي يُعرّفه بوصفه مجموع المعتقدات والمشاعر والقيم والمعايير الأخلاقية المشتركة بين أفراد المجتمع. هذا الضمير الجمعي ليس مجرد حصيلة جمعية لوجدانات أفراده، بل هو قوة مستقلة ومتجاوزة للوعي الفردي، تعمل على ربط أواصر الجماعة وتحقيق تماسكها. من هذا المنطلق، يرى دوركايم أن المجتمع يمتلك سلطة حقيقية على الأفراد، وأن أوامره تكتسب صفة الإلزام الأخلاقي.
"ضميرنا الأخلاقي لم ينتج إلا عن المجتمع ولا يعبر إلا عنه." — إميل دوركايم
وتتجلى حجج دوركايم في نقاط جوهرية:
- الوعي الأخلاقي الفردي هو تعبير عن صوت المجتمع يتردد داخل الذات بلغة الآمر والناهي، ويتمتع بسلطة قاهرة لا يملك الفرد الإفلات منها.
- التقاعس عن أداء الواجب لا يُولّد مجرد عقوبة خارجية، بل يُصاحبه شعور داخلي بالألم ووخز الضمير، وهذا الوخز ذاته دليل على أن المجتمع قد رسّخ قيمه في أعماق الفرد.
- المؤسسات الاجتماعية كالأسرة والمدرسة والدين والدولة هي الأدوات التي تشكّل الضمير الأخلاقي للفرد من خلال ضغوط اجتماعية متواصلة، ومنها يكتسب الفرد ما يعدّه واجبات راسخة.
هنري برغسون: من الواجب المنغلق إلى الأخلاق الكونية المنفتحة
يشاطر هنري برغسون (1859-1941) دوركايم الاعتراف بأن المجتمع يُنتج نوعاً من الواجب الأخلاقي، غير أنه لا يقف عند هذا الحد، بل يميز بين مستويين متباينين للأخلاق، ويدعو إلى تجاوز الأول نحو الثاني.
يُسمي برغسون الواجب النابع من المجتمع المحدود الأخلاق المنغلقة: وهي أخلاق خاصة بجماعة بشرية محددة، مفروضة على الفرد عبر المؤسسات الاجتماعية، ونسبية تتفاوت من مجتمع إلى آخر. هي تعكس الضمير الجمعي في ضيقه وانغلاقه على حدود القبيلة أو الأمة.
في مقابل ذلك، يُنادي برغسون بـالأخلاق المنفتحة: وهي أخلاق كونية تتجاوز حدود المجتمع الضيق وتخاطب الإنسان باعتباره إنساناً، بصرف النظر عن انتمائه القبلي أو الوطني. تقوم هذه الأخلاق على الحب الإنساني والعدالة الشاملة، وتخاطب ضمير الإنسان بوصفه إنساناً قبل أن يكون مواطناً أو عضواً في فئة اجتماعية.
يدعو برغسون إذن إلى التحرر من السلطة الأخلاقية التي يفرضها المجتمع المحدود، والانتقال نحو واجب إنساني يتجاوز الوطن الضيق ليشمل الإنسانية بأسرها. إن مجتمع البشرية هو الأفق الحقيقي الذي يجب أن يتوجه إليه الواجب الأخلاقي.
مناقشة: مقارنة المواقف وحدودها
يلتقي دوركايم وبرغسون في نقطة محورية: كلاهما يُقرّ بأن المجتمع ليس بيئة محايدة لا تؤثر في تشكيل الضمير الأخلاقي للفرد، بل هو العامل الحاسم في إنتاج الواجبات وترسيخها. غير أن بينهما اختلافاً جذرياً في الأفق الذي يرسمانه للأخلاق.
فـدوركايم يُوقف تحليله عند الوقائع الاجتماعية كما هي: الواجب انعكاس للضمير الجمعي، وهذا أمر واصِف لا معياري. أما برغسون فيتجاوز الوصف إلى الدعوة: ينبغي أن نتحرر من الانغلاق القبلي ونسعى نحو أخلاق إنسانية كونية. وهنا يبرز التوتر: هل الأخلاق المنفتحة التي ينشدها برغسون واقعة تاريخية أم مثال أفلاطوني بعيد المنال؟
وحين نضع موقفيهما في مواجهة الموقف الكانطي الوارد في المحور الأول، يتضح الفارق العميق: كانط يُؤسّس الواجب على العقل الخالص المستقل عن كل اجتماع بشري، بينما يُعيد دوركايم وبرغسون الواجب إلى جذوره الاجتماعية. فالسؤال يظل مطروحاً: هل يمكن لأخلاق نابعة من المجتمع أن تدّعي الكونية التي يدّعيها الأمر القطعي الكانطي؟
وتبرز كذلك حدود موقف دوركايم من زاوية نقدية مهمة: إذا كان الواجب مجرد انعكاس للضمير الجمعي، فكيف نُفسّر ظاهرة العصيان الأخلاقي والتمرد على القيم السائدة؟ وكيف نقيّم المصلح الاجتماعي الذي يكسر أعراف مجتمعه باسم قيم أسمى؟ يبدو أن التحليل الدوركايمي يُقيّد الفرد في حدود المجتمع ولا يمنحه أدوات للنقد الداخلي. وهو ما يرد عليه برغسون جزئياً حين يُنبّه إلى أن الانفتاح على الإنسانية الكلية هو بالضبط ما يسمح بتجاوز القيود الجمعية الضيقة.
أما انتقاد نيتشه — الوارد في المحور الثاني — فيضيف بُعداً نقدياً حاداً: الأخلاق ليست صوت المجتمع المحايد، بل هي تعبير عن صراع القوة والسلطة بين فئات متنافسة. يقول: «الناس هم الذين أعطوا أنفسهم كل خيرهم وشرهم.» وبهذا يُشكّك في مشروعية أي قيمة أخلاقية ترفع راية الإلزام الكوني، سواء أكان مصدرها العقل الكانطي أم الضمير الجمعي الدوركايمي.
وأخيراً، تنبثق إشكالية عميقة بين نسبية الواجب الاجتماعي وطموح كونيته: إن كان الواجب صنيعة كل مجتمع على حدة، فلا أساس موضوعياً يُمكّننا من الحكم على واجبات مجتمع ما بمعيار مجتمع آخر. وهذا النسبية يتعارض مع ما يسعى إليه برغسون من أخلاق إنسانية كونية، مما يجعل مشروعه أشبه بضرورة فلسفية ومطلب أخلاقي منه وصفاً لواقع قائم.
💡
تركيب: يكشف هذا المحور أن الواجب الأخلاقي لا يتشكل في فراغ، بل تصوغه الجماعة الإنسانية عبر ضميرها الجمعي ومؤسساتها وقيمها المشتركة. دوركايم يُثبت أن ما يسميه الفرد ضميره الأخلاقي إنما هو صوت المجتمع يتردد فيه، في حين يُنبّهنا برغسون إلى خطورة الاكتفاء بهذا المستوى: فالواجب المنغلق على الجماعة الضيقة يظل أسير نسبيته ولا يرقى إلى كونية الأخلاق الإنسانية الحقيقية. والتركيب الذي يُمكن الخروج به هو أن الواجب يبدأ اجتماعياً ولكنه يطمح فلسفياً نحو الكونية الإنسانية: ينطلق الفرد من داخل مجتمعه ليتجاوزه نحو انتمائه الأشمل إلى الإنسانية، وهو مسار يُؤكد أن الأخلاق في جوهرها ليست إكراهاً خارجياً بل دعوة دائمة إلى التوسع والانفتاح.