Philosophie · 2ème année Bac — Lettres

مفهوم الشخص (المحور الثاني : الشخص بوصفه قيمة)

المحور الثاني: الشخص بوصفه قيمة

أولاً: إشكال المحور

يطرح هذا المحور سؤالاً فلسفياً جوهرياً يمسّ صميم الوجود الإنساني: ما قيمة الشخص؟ وأين تكمن هذه القيمة؟ هل يحمل الشخص قيمة في ذاته بمعزل عن كل اعتبار خارجي، أم أن قيمته مشتقة من علاقته بالجماعة والمجتمع؟ وهل يمكن اختزال الشخص في وظيفة أو منفعة يؤديها، فيكون بذلك مجرد وسيلة لتحقيق غايات أسمى منه، أم أنه هو في حد ذاته الغاية القصوى التي لا ينبغي أن تُختزل في شيء آخر؟
يتشعب هذا الإشكال إلى تساؤلات فرعية متداخلة: هل تستمد قيمة الشخص من طبيعته الداخلية — عقله وحريته ووعيه — أم من انتمائه لجماعة بشرية تمنحه معنى وجوده؟ وإذا كانت القيمة ذاتية ومطلقة، فكيف نُفسّر التفاوت الاجتماعي والاستعباد والإقصاء الذي عرفه التاريخ البشري؟ وإذا كانت نسبية اجتماعية، فمن يحدد من يستحق الاعتراف؟ هذه الإشكالية ليست محض تجريد نظري، بل تُشكّل الأساس الفلسفي لكل منظومة حقوقية وأخلاقية وسياسية.

ثانياً: المواقف الفلسفية

إيمانويل كانط: الشخص غاية في ذاته ذو قيمة مطلقة

يُمثّل كانط (1724-1804) المرجع الفلسفي الأساسي في تأصيل قيمة الشخص من داخله لا من خارجه. ينطلق من تمييز جوهري بين الأشياء والأشخاص: الأشياء تملك قيمة نسبية تتحدد بحسب الحاجة إليها وثمنها في السوق، أي أن قيمتها تبادلية واستعمالية. أما الأشخاص فيتمتعون بكرامة لا تُقاس ولا تُساوم عليها، وهي قيمة مطلقة لا يمكن تحديدها بأي سعر أو اختزالها في أي منفعة.
يُؤسّس كانط هذه الأطروحة على مبدئه الأخلاقي الأسمى المعروف بالأمر المطلق في صيغته العملية، التي مفادها أن على الإنسان أن يتصرف بحيث يعامل الإنسانية في شخص نفسه كما في شخص غيره دائماً بوصفها غاية لا مجرد وسيلة. ويُقرّر في كتابه أسس ميتافيزيقا الأخلاق (1785) أن الإنسان وكل كائن عاقل يوجد بوصفه غاية في ذاته لا مجرد وسيلة. ما يمنح الشخص هذا المكانة هو امتلاكه للعقل والإرادة الأخلاقية الحرة، مما يُتيح له الإفلات من نظام الطبيعة الصرف والانتماء إلى عالم الأغراض العقلية.
تبقى هذه الأطروحة على درجة كبيرة من الأثر التاريخي، إذ تُشكّل الأساس الفلسفي الذي قامت عليه منظومة حقوق الإنسان الحديثة. غير أن ثمة تساؤلاً يُثار بشأنها: ما وضع من يفتقر إلى الكفاءة العقلية الكاملة كالأطفال الرضّع وذوي الإعاقات الذهنية الحادة؟ هل تتقلص قيمته المطلقة بتقلص عقله؟

هيغل: قيمة الشخص في الكل الاجتماعي والتاريخي

يسلك هيغل (1770-1831) مساراً مغايراً جذرياً لمسار كانط، إذ يرفض فكرة القيمة الفردية المطلقة المستقلة عن السياق الاجتماعي والتاريخي. يرى هيغل أن الفرد لا يجد حقيقته ولا معنى وجوده إلا داخل الكل الاجتماعي والتاريخي الذي ينتمي إليه. القيمة عنده ليست معطى ثابتاً يولد معه الشخص، بل هي شيء يُكتسب ويتحدد بمرتبة الشخص الاجتماعية ومدى التزامه بالقانون الأخلاقي وأداء الواجب تجاه مجتمعه.
وجه النقد الأبرز لهذا الموقف أنه يُذوّب الفرد في الكل الجماعي ويُهمل القيمة الذاتية المستقلة للشخص، فيُفضي ذلك إلى إمكانية تبرير إخضاع الأفراد لمنطق الدولة أو التاريخ بذريعة أن قيمتهم مشتقة من انتمائهم لهذا الكل.

إيمانويل مونيه: الشخص وحدة واعية حرة في إطار التشارك

يؤسس مونيه (1905-1950) فلسفة الشخصانية رداً مزدوجاً: رداً على الأيديولوجيات الشمولية كالفاشية والشيوعية التي تُقصي الفرد وتُذيبه في الجماعة أو الدولة، ورداً على الفردانية الليبرالية المفرطة التي تعزله عن محيطه الإنساني. يرى مونيه أن الشخص وحدة مفردة مستقلة، واعية بأفعالها ومسؤولة عنها، حرة في اختياراتها.
قيمة الشخص عند مونيه تنبع من ثلاثة عناصر متشابكة: الوعي الداخلي بالذات، والمسؤولية عن الأفعال، والحرية الحقيقية في الاختيار. لكنه لا يعزل هذا الشخص بل يضعه في علاقة حوارية مع الآخرين، إذ إن التشخصن — أي مسيرة صيرورة الكائن شخصاً — لا يتحقق إلا في هذا التفاعل المتبادل مع الغير.

جورج غوسدورف: قيمة الشخص في انفتاحه على الجماعة

يُقدّم غوسدورف (1912-2000) تصوراً للقيمة يجعل من الانفتاح على الآخرين شرطاً لتحققها. في نظره، الشخص ليس فرداً معزولاً تنبع قيمته من امتلاكاته أو صفاته الفردية، بل هو عنصر في الجماعة البشرية الأوسع. ويُصرّح بأن الشخص يتحدد بما يُعطيه للآخرين لا بما يمتلكه، فالعطاء والمشاركة والتضامن هي التي تُحقق الكمال الإنساني وتُجسّد القيمة الحقيقية للشخص.
يُعترض على هذا الموقف بأنه يتجاهل الطبيعة الأنانية التي تُميّز كثيراً من السلوكات الإنسانية، والميل الفطري نحو المصلحة الذاتية الذي تكشف عنه علم النفس والاقتصاد السلوكي على حد سواء. كما أنه لا يُعطي إجابة وافية عمّن يعجز عن العطاء بسبب مرض أو فقر أو ضعف.

طوم ريغان: القيمة المطلقة للكائن الواعي بصرف النظر عن عقله

يُقدّم ريغان (1938-2017) إضافة نوعية للنقاش تتجه نحو توسيع دائرة القيمة. يرفض اشتراط العقل بوصفه المعيار الوحيد لتأسيس القيمة المطلقة، كما هو الحال عند كانط. ويُقرر أن كل كائن قادر على حياة واعية يحمل قيمة في حد ذاته، وهذا معيار أوسع وأشمل. يُعالج بهذا الموقف الثغرة التي طالما أُثيرت في وجه كانط: الحالات التي يفتقر فيها الكائن البشري إلى الكفاءات العقلية الكاملة كالرُّضَّع وذوي الإعاقات الذهنية الحادة.

ثالثاً: مناقشة

تكشف المقارنة بين هذه المواقف عن توتر عميق بين مقاربتين رئيسيتين: المقاربة الجوهرانية الفردية التي تجعل القيمة ذاتية وداخلية لا تحتاج إلى أي اعتراف خارجي، والمقاربة العلائقية الاجتماعية التي لا تتحقق فيها القيمة إلا في سياق التفاعل مع الآخرين والانتماء إلى جماعة.
الموقف الكانطي له قوة فلسفية لا تُنكر: إذا استمدت قيمة الشخص من الخارج — من المجتمع أو الدولة أو الجماعة — فإن هذه القيمة تغدو هشة ومشروطة، ويمكن لأي سلطة أن تنزعها متى شاءت بذريعة أن الشخص لم يؤدِّ وظيفته. غير أن اشتراط العقل معياراً وحيداً للقيمة المطلقة يبقى محل نقد جاد، لأنه يُفضي منطقياً إلى تدريج الكائنات البشرية وفق درجاتها العقلية، وهو ما يتعارض مع المبدأ الذي أسسه كانط ذاته.
أما موقف هيغل فقد أبدى مرونة نظرية أكبر في استيعاب البعد الاجتماعي والتاريخي للشخص، لكنه عرّض القيمة الإنسانية للتذبذب بحسب السياقات التاريخية، وفتح الباب أمام تبرير إخضاع الأفراد لمنطق الكل حين يتعارضان.
في المقابل، يُقدّم مونيه وغوسدورف مساراً أكثر توازناً: فمونيه يصون استقلالية الشخص الداخلية مع إدراجه في نسيج علاقاته مع الآخرين، وغوسدورف يجعل العطاء لا الامتلاك مقياساً للقيمة، وهو ما يُقلب الأطروحة الاقتصادية الشائعة التي تقيس المرء بما يملكه. ويبقى ريغان الأكثر جذرية في توسيع دائرة القيمة، وإن كان يتخلى عن معيار العقل الذي ظل ركيزة الفلسفة الحديثة لقرون.
ومن منظور الواقع المعاش، نلاحظ أن إعلانات حقوق الإنسان الكبرى — من إعلان 1789 إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 — اعتمدت في جوهرها على المنطق الكانطي: القيمة المطلقة الفطرية لكل إنسان، وعدم قابلية الكرامة الإنسانية للانتزاع بأي ذريعة. هذا يُرجّح من الناحية العملية قدرة هذا التأسيس على إنتاج ضمانات فعلية لحقوق الإنسان.

رابعاً: تركيب

💡
خلاصة: تتقاطع المواقف الفلسفية المدروسة في الإقرار بأن الشخص ليس شيئاً يمكن اختزاله في وظيفة أو منفعة، غير أنها تختلف في تحديد مصدر هذه القيمة ومستواها. يُعلن كانط أن قيمة الشخص مطلقة لا نسبية، متأصّلة في عقله وإرادته الحرة، وهذا الإعلان يُشكّل الركيزة الفلسفية لكل منظومة حقوقية إنسانية. ويُضيف مونيه أن هذه القيمة لا تتحقق إلا من خلال الوعي والمسؤولية والانفتاح على الآخرين في عملية تشخصن متواصلة. ويُوسّع ريغان دائرة الاعتراف لتشمل كل كائن واعٍ بصرف النظر عن مستوى عقله. وعليه، فإن الموقف الأكثر اتساقاً وإنصافاً هو الذي يُثبت للشخص قيمة ذاتية سابقة على كل اعتراف اجتماعي، مع الإقرار بأن هذه القيمة لا تبلغ كمالها إلا في سياق العلاقة مع الآخرين والانتماء الإنساني المشترك. الشخص إذاً غاية في ذاته قبل أن يكون عضواً في جماعة، والاعتراف بكرامته المطلقة هو شرط كل حياة مشتركة عادلة.