إشكال المحور: هل تصلح العلوم التجريبية نموذجاً للعلوم الإنسانية؟
ظلّت العلوم الإنسانية منذ نشأتها تواجه سؤالاً إبستمولوجياً حارقاً: هل في مقدورها أن تضاهي العلوم التجريبية في صرامتها ومنهجيتها؟ تتمحور الإشكالية الكبرى للمحور الثالث حول مدى إمكانية اتخاذ النموذج التجريبي — بملاحظته الموضوعية وتجريبه المتحكَّم فيه وقوانينه الكلية القابلة للتحقق — معياراً للحكم على علمية العلوم الإنسانية. فهل تختلف الظاهرة الإنسانية اختلافَ نوع عن الظاهرة الطبيعية بحيث يستحيل معها تطبيق المنهج التجريبي بوصفه أفقاً جامعاً؟ أم أن الاختلاف مجرد اختلاف درجة يبقى معه الطموح إلى موضوعية قابلة للقياس والاختبار مشروعاً ومنشوداً؟
تتقاطع في هذا المحور مواقف فلسفية متباينة تتوزع بين دعاة محاكاة النموذج التجريبي، ورافضيه كلياً، وأصحاب مواقف وسيطة تسعى إلى التأسيس لعقلانية مناسبة لخصوصية الموضوع الإنساني. وفيما يلي عرض هذه المواقف ومناقشتها.
المواقف الفلسفية المؤطِّرة للمحور
أولاً — أوغست كونت وإميل دوركايم: العلوم الإنسانية على منوال العلوم التجريبية
يُمثّل الموقف الوضعي الاتجاهَ الأكثر جرأة في الدفاع عن نموذجية العلوم التجريبية. فقد أرسى أوغست كونت الأساسَ الفلسفي لهذا الموقف حين نادى بأن التقدم المعرفي لا يتحقق إلا بتجاوز المرحلتين اللاهوتية والميتافيزيقية نحو المرحلة الوضعية، التي تشترط دراسة كل الظواهر — بما فيها الإنسانية والاجتماعية — بالمنهج الملاحظي ذاته.
وجاء إميل دوركايم (1858-1917) ليجسّد هذا المشروع تجسيداً برنامجياً صارماً. فقد صاغ أطروحته المحورية في قاعدة جوهرية مفادها أن الوقائع الاجتماعية يجب أن تعامَل كأشياء موضوعية خارجة عن الفرد ولها قوة إلزامية. وعلى هذا الأساس يُعرِّف الحقائق الاجتماعية بأنها طرائق في السلوك والتفكير والشعور، تتميز بكونها:
- خارجية: لها وجود مستقل عن وعي الأفراد ومشاعرهم
- إلزامية: تفرض نفسها على سلوك الأفراد وتفكيرهم
- متراbtة: ترتبط بظواهر اجتماعية أخرى ارتباطاً وظيفياً
واستند دوركايم في إثبات أطروحته إلى دراسته الشهيرة عن الانتحار، إذ بيّن أن هذا السلوك البالغ الخصوصية الفردية خاضع لقوانين اجتماعية موضوعية قابلة للقياس والإحصاء، تتفاوت وفق درجات التضامن الاجتماعي بين الجماعات. ويرى الوضعيون عموماً أن الاختلاف بين العلوم الطبيعية والإنسانية اختلاف درجة لا نوع، وأن على هذه الأخيرة أن تكون موضوعية وقابلة للقياس والاختبار والتعميم.
ثانياً — جون ستيوارت ميل: منطق التحقيق التجريبي وإمكانية تطبيقه
يقدم جون ستيوارت ميل مساهمة مغايرة في تأسيس علمية العلوم الإنسانية؛ إذ لا ينطلق من محاكاة الفيزياء أو الكيمياء مباشرة، بل يسعى إلى وضع منطق علمي يضبط البحث في الظواهر الإنسانية. وقد صاغ لهذا الغرض خمسة قوانين للتحقيق التجريبي:
- طريقة الاتفاق: تحديد العامل الثابت حين تتغير بقية العناصر
- طريقة الاختلاف: إثبات دور العامل بعكسية الحالات المتناقضة
- طريقة التغيرات المصاحبة: التغيرات الطفيفة في الأسباب تستتبع تغيرات موازية في النتائج
- الطريقة المركبة: الجمع بين الاتفاق والاختلاف
- طريقة البواقي: استنتاج الأسباب المجهولة بحذف الأسباب المعروفة
غير أن ميل نفسه لاحظ أن هذه القوانين تستند في نهاية المطاف إلى مبادئ ميتافيزيقية كمبدأ السببية وتوحد الطبيعة، مما يجعل إسناد العلمية المطلقة إلى العلوم الإنسانية بهذه الطريقة أمراً يستدعي تحفظات جوهرية.
ثالثاً — كارل بوبر: معيار قابلية الدحض وموقع العلوم الإنسانية
يُدخل كارل بوبر معياراً مختلفاً لتحديد العلمية؛ وهو معيار قابلية الدحض (القابلية للتفنيد). ويُجمِل أطروحته في قولة بالغة الدلالة:
الملايين من التجارب الناجحة لا تثبت صحة نظرية واحدة، لكن تجربة واحدة فاشلة تكفي لدحضها.
وفق هذا المعيار، فإن نظرية ما تكون علمية بقدر ما هي قابلة للتكذيب تجريبياً. والعلوم الإنسانية، من منظور بوبر، إذ تتعامل مع ظواهر كيفية يصعب تكذيبها بدقة، تجد نفسها في مؤخرة السلم العلمي. فأقل العلوم تقدماً هو أقلها قابلية للدحض. ويكشف هذا الموقف عن فجوة بين معايير العلوم التجريبية ومتطلبات العلوم الإنسانية في صياغة نظريات قابلة للاختبار والتفنيد بالمعنى الدقيق للكلمة.
رابعاً — جان بياجيه: المفارقة الجوهرية في موضعة الإنسان
يكشف جان بياجيه (1896-1980) عن مفارقة بنيوية تجعل محاكاة النموذج التجريبي أمراً إشكالياً في صميمه. وتتضمن أطروحته المركزية ما صاغه في عبارة قاطعة:
الباحث يدرس الإنسان وهو نفسه إنسان.
معنى ذلك أن الذات العارفة غير منفصلة عن الموضوع المدروس؛ وهو ما لا نجده في الفيزياء أو الكيمياء. ويُقيم بياجيه على هذه الأطروحة جملة من الحجج:
- موضوع علم الاجتماع يصعب إدراكه بموضوعية لأن الباحث جزء منه
- الظاهرة الإنسانية متغيرة ومعقدة من عصر إلى آخر ومن سياق إلى سياق
- الملاحظة نفسها قد تُحدث تغييرات في السلوك المدروس
- يستحيل إعادة إنتاج الظروف الاجتماعية بالدقة ذاتها كما يحدث في المختبر الطبيعي
تقود هذه الحجج بياجيه إلى الدعوة لتطوير منهجيات خاصة تعترف بهذه الديناميكية الفريدة بدل التقليد الأعمى للنموذج التجريبي.
خامساً — فيلهلم ديلتاي: الفهم لا التفسير
يؤسّس فيلهلم ديلتاي (1833-1911) لرفض جذري لنموذجية العلوم التجريبية من منطلق التمييز المنهجي الصارم بين نوعين من العلوم. وتتجلى أطروحته الكبرى في مقولته الشهيرة:
إننا نفسر الطبيعة، ونفهم الظواهر الإنسانية.
فالعلوم الطبيعية موضوعها الطبيعة الصماء الخالية من القيمة، وتسعى إلى كشف علاقات سببية ثابتة. أما العلوم الإنسانية فموضوعها الذات الإنسانية الحية الحاملة للمعنى والقيمة والقصدية. ومن هنا يدعو ديلتاي إلى منهج الفهم (Verstehen) لا التفسير الميكانيكي؛ وهو فهم يقوم على:
- إدراك المقاصد والنوايا والغايات التي تصاحب الفعل الإنساني
- فهم القيم التي توجه السلوك وتُضفي عليه دلالته
- التعاطف والاندماج مع عالم الموضوع المدروس
الفعل الإنساني ليس حدثاً مادياً بسيطاً بل هو حامل دلالة يعطيها الفاعل الاجتماعي نفسه؛ ومن ثمّ فإن اختزاله في علاقة سبب-نتيجة خارجية يُفقده ما يُميّزه ويُكوِّنه.
سادساً — ماكس فيبر: الجمع بين الموضوعية المنهجية والفهم التأويلي
يتخذ ماكس فيبر (1864-1920) موقفاً توسطياً رافضاً للانتقائية في المفاضلة بين النموذجين. وتتمحور أطروحته حول مفهوم الفعل الاجتماعي (Soziales Handeln) الذي يعرّفه بأنه:
الفعل الاجتماعي هو فعل يعطيه الفاعل معنى معيناً يسعى لتحقيقه.
وينبثق من هذا التعريف ثلاثة مبادئ منهجية يتبناها فيبر:
- الفهم الهرمينوطيقي: استيعاب الدوافع والنوايا والمعاني الكامنة وراء الأفعال الاجتماعية
- الحياد القيمي (Wertfreiheit): عدم فرض قيم الباحث الشخصية على البيانات، دون أن يعني ذلك غياب القيم من الحقل العلمي كلياً
- التمييز بين الحقائق الموضوعية والقيم الذاتية، مع الإقرار بأن القيم تُشكّل الأسئلة التي يطرحها الباحث
وبهذا ينبّه فيبر إلى أن العلوم الإنسانية مستقلة وناضجة بذاتها، لا تحتاج إلى محاكاة النموذج الطبيعي، بل إلى بناء نموذجها الخاص الذي يأخذ بعين الاعتبار الدور التوجيهي للقيم والمعاني.
سابعاً — كلود ليفي شتراوس: العلوم الإنسانية في منتصف الطريق
يُقدّم كلود ليفي شتراوس (1908-2009) تشخيصاً بالغ الدقة يرى فيه أن العلوم الإنسانية تراوح بين التفسير والتنبؤ لتقدم، على حد تعبيره، حكمة وسيطة بين المعرفة الخالصة والمعرفة النافعة. وهي تقف في موقف محرج: لا تفسر نهائياً كالعلوم الطبيعية، ولا تتنبأ بيقين تام. ويؤكد ليفي شتراوس أن الوعي هو العدو الخفي لعلوم الإنسان، ذلك أن الإنسان واعٍ بذاته ويُعيد تفسير سلوكه بمجرد الإدراك بأنه ملحوظ، مما يُعقّد عملية الدراسة الموضوعية.
ثامناً — جان لادريير وإدغار موران: نحو عقلانية مناسبة ومنفتحة
يذهب جان لادريير إلى أن العلوم الإنسانية تحتاج إلى عقلانية مناسبة لها، تجمع بين التفسير والفهم دون الانحياز المطلق لأحدهما. ويرفض النقل الحرفي لمنهج العلوم الطبيعية لأنه يُغفل خصوصية الموضوع الإنساني، مع دعوته إلى تطوير مناهج مستقلة تتجاوز الثنائيات الجامدة بين الذاتي والموضوعي.
وفي السياق ذاته يُلحّ إدغار موران على ما يسميه العقلانية المنفتحة، معلِّلاً ذلك بأن الإنسان كائن بيولوجي-نفسي-اجتماعي-ثقافي في آنٍ واحد. ويخلص موران إلى أن تعقيد الظاهرة الإنسانية يستلزم تفكيراً متعدد الأبعاد لا يمكن اختزاله في منهج أحادي مهما بلغت دقته.
مناقشة: مقارنة المواقف وحدودها
تتضح من خلال المواقف المعروضة ثلاثة توجهات كبرى: الوضعي التجريبي الذي يؤمن بقابلية العلوم الإنسانية لاستيعاب معايير العلوم الطبيعية، والهرمينوطيقي التفهمي الذي يُؤسّس لاستقلالية جوهرية لهذه العلوم، والتوسطي التركيبي الذي يرفض الحل الثنائي ويدعو إلى عقلانية أكثر مرونة ووعياً.
أما حدود الموقف الوضعي عند دوركايم فتتجلى في كون الموضوعية المنهجية قد تُغطي على الانحيازات الكامنة في صياغة الأسئلة الأولية ذاتها؛ فاختيار ما يُعدّ "واقعة اجتماعية" هو في حد ذاته فعل مُحمَّل بتوجهات قيمية. وعلى المستوى الإبستمولوجي، يبقى معيار بوبر في قابلية الدحض إشكالياً بالنسبة إلى كثير من نظريات العلوم الإنسانية التي تصعب إخضاعها للتكذيب التجريبي الدقيق.
في المقابل، يواجه موقف ديلتاي خطر الانزلاق نحو نسبية معرفية تجعل كل فهم رهيناً بموقف الباحث وتجربته الشخصية، مما يُهدد كل ادعاء بالصلاحية العلمية العامة. كما أن التعاطف والاندماج مع الموضوع الذي يدعو إليه منهج الفهم قد يُعيق المسافة النقدية الضرورية لكل بحث موضوعي.
أما الموقف التوسطي عند فيبر، فرغم أهميته الكبرى، يطرح تساؤلاً عملياً: كيف يُفصل الباحث فعلياً بين الحقائق الموضوعية والقيم الذاتية في كل لحظة من لحظات البحث؟ إن الحياد القيمي كموقف منهجي يظل مُثُلاً مرجعية أكثر منه تحققاً تاماً في الممارسة البحثية الفعلية.
وتُجمع هذه المواقف رغم اختلافها على نقطة جوهرية واحدة: استحالة النقل الميكانيكي الأعمى للنموذج التجريبي إلى حقل الظواهر الإنسانية دون مراعاة خصائصه المميزة من وعي وحرية وقصدية وتغيُّر. بيد أن الإجماع ينتهي عند حدود هذا الرفض، ويبدأ الخلاف من جديد حول البديل المناسب.
💡
خلاصة: يكشف المحور الثالث أن العلوم الإنسانية لا تجد استقرارها في المحاكاة التامة للنموذج التجريبي ولا في الإعراض الكلي عنه. فالنموذج التجريبي وفّر معايير الصرامة والموضوعية والقياس، وهي معايير لا غنى عنها لأي خطاب يدّعي العلمية. لكن خصوصية الظاهرة الإنسانية — من وعي وقصدية ومعنى وحرية — تفرض مساءلة جذرية لحدود هذا النموذج. والحل الأكثر إقناعاً فلسفياً هو ما دعا إليه فيبر ولادريير وموران: بناء نموذج علمي مرن وواعٍ بذاته، يُوازن بين الموضوعية المنهجية والفهم التأويلي، يعترف بحضور الذات الباحثة بوصفه شرطاً تجب مراقبته لا واقعاً يُتجاهل. العلوم الإنسانية ليست أقل علمية من العلوم التجريبية، بل هي علمية مختلفة تتطلب عقلانية مناسبة لموضوعها وخصوصيته.