إشكال المحور الرابع: نموذج السوسيولوجيا
تُعدّ السوسيولوجيا أو علم الاجتماع من أبرز نماذج العلوم الإنسانية التي طرحت بحدّة السؤال الإبستيمولوجي المحوري: هل يمكن دراسة الظاهرة الاجتماعية بالموضوعية العلمية ذاتها التي تُدرس بها الظواهر الطبيعية؟ وبعبارة أوضح: هل تملك السوسيولوجيا أدوات منهجية كافية لتحقيق مسافة علمية حقيقية بين الباحث وموضوعه، في حين أن الباحث نفسه جزء من المجتمع الذي يدرسه؟ هذا الإشكال ليس ترفاً نظرياً بل يمسّ صميم مشروعية علم الاجتماع كعلم؛ إذ يتقاطع فيه تساؤلان جوهريان: تساؤل عن إمكانية موضعة الظاهرة الاجتماعية وتساؤل عن المنهج الملائم لدراستها — هل هو التفسير كما في الفيزياء أم الفهم والتأويل كما يقتضيه خصوص الفعل الإنساني الحامل لمعنى؟
المواقف الفلسفية المؤطِّرة للمحور
أولاً — إميل دوركايم: الحقائق الاجتماعية كأشياء
يُمثّل إميل دوركايم (1858-1917) المرجعية الكبرى للاتجاه الوضعي في السوسيولوجيا. أطروحته المحورية قابلة للصياغة في مبدأ واحد جامع: "الوقائع الاجتماعية يجب أن تُعامَل كأشياء موضوعية خارجة عن الفرد ولها قوة إلزامية."
يُعرِّف دوركايم الحقيقة الاجتماعية بأنها طريقة في السلوك أو التفكير أو الشعور، قائمة خارج الوعي الفردي وقادرة على فرض نفسها على الأفراد بقوة ضاغطة. وهي تتسم عنده بخصائص متمايزة:
- الموضوعية: لها وجود مستقل عن شعور الأفراد
- الإلزامية: تفرض نفسها على السلوك وتُعاقب على الانحراف عنها
- الارتباط: ترتبط بالظواهر الاجتماعية الأخرى في نسق متماسك
يستند دوركايم في حجاجه إلى دراسته الرائدة عن الانتحار بوصفه نموذجاً تطبيقياً: إذ بيّن أن معدلات الانتحار، وهي سلوك يبدو في الظاهر حكراً على الفردية الأشد خصوصية، تخضع لتفاوت درجات التضامن الاجتماعي. فالانتحار ليس مجرد قرار شخصي بل ظاهرة اجتماعية موضوعية قابلة للقياس والتفسير. انطلاقاً من هذا، يدعو دوركايم إلى اعتماد الملاحظة والإحصاء والمقارنة أدواتٍ منهجية لا غنى عنها، محتذياً بنموذج العلوم الطبيعية في ضبط البحث الاجتماعي والارتقاء به إلى مرتبة العلم الحقيقي.
ثانياً — فيلهلم ديلتاي: الفهم لا التفسير
يُقدّم فيلهلم ديلتاي (1833-1911) نقيضاً فلسفياً جوهرياً لدوركايم. أطروحته الشهيرة تصوغ التمييز في عبارة بليغة:
إننا نفسر الطبيعة، ونفهم الظواهر الإنسانية.
يُقيم ديلتاي تمييزاً جوهرياً بين نوعين من العلوم: العلوم الطبيعية التي تدرس الظواهر الخارجية الخالية من القيمة وتسعى إلى تفسيرها بالكشف عن علاقات سببية ثابتة، والعلوم الإنسانية ذات الطابع الأكسيولوجي التي تنصبّ على الذات الإنسانية الواعية الحرة الحاملة لمعانٍ وقيم ودوافع. لهذا فإن الفعل الإنساني ليس وقيعة مادية بسيطة بل حامل لدلالة يمنحها الفاعل لنفسه.
يرى ديلتاي أن المنهج الملائم للعلوم الإنسانية هو الفهم (Verstehen) الذي يقوم على تأويل التعبيرات وإدراك المقاصد والنوايا والغايات الكامنة وراء الأفعال، فضلاً عن التعاطف المعرفي مع الموضوع المدروس. وبهذا يُؤسّس ديلتاي الهرمينوطيقا بوصفها منهجاً مستقلاً لا يُحاكي العلوم الطبيعية ولا يسعى إلى تقليدها، بل يُقرّ بخصوصية الظاهرة الإنسانية ويُكيّف الأداة المعرفية وفق هذه الخصوصية.
ثالثاً — ماكس فيبر: الفهم التأويلي والحياد القيمي
يُقدّم ماكس فيبر (1864-1920) موقفاً توسطياً طموحاً يسعى إلى الجمع بين متطلبين يبدوان متعارضين: الموضوعية المنهجية الصارمة من جهة، والفهم التأويلي للدلالات والمعاني من جهة أخرى. أطروحته المحورية تتمحور حول مفهوم الفعل الاجتماعي (Soziales Handeln): وهو فعل يُعطيه الفاعل معنىً معيناً يسعى لتحقيقه، ومن ثمّ فإن فهم أي ظاهرة اجتماعية يستلزم فهم الدوافع والنوايا والمعاني التي تحرك أصحابها.
يُدخل فيبر مفهوم الحياد القيمي (Wertfreiheit) بوصفه موقفاً منهجياً لا غياباً كاملاً للقيم: القيم توجّه الأسئلة التي يطرحها الباحث وتُحدد الموضوعات التي يختارها، لكن يجب على الباحث أن يمتنع عن إسقاط قيمه الشخصية على تفسير البيانات وعرض النتائج. بهذا يُعيد فيبر صياغة العلاقة بين الذاتية والموضوعية: لا يُنكر وجود القيم في البحث ولكنه يُطالب بعزلها عن مرحلة التحليل والتفسير.
رابعاً — جان بياجيه: مفارقة الذات الباحثة
يكشف جان بياجيه (1896-1980) عن مفارقة بنيوية تسكن العلوم الإنسانية منذ نشأتها، ويُجملها في عبارة دقيقة:
الباحث يدرس الإنسان وهو نفسه إنسان.
هذا التداخل الجوهري بين الذات العارفة والموضوع المدروس يترتب عليه جملة من الإشكالات: الباحث محمّل بقيم سابقة وأحكام قبلية تُلوّن نظرته إلى موضوعه؛ والملاحظة ذاتها قد تُحدث تغييرات في الظاهرة موضع الدراسة؛ ويستحيل تحقيق انفصال كلي بين الذات المُتمركزة والذات العارفة. لا يدعو بياجيه إلى التخلي عن الطموح العلمي بل إلى تطوير منهجيات خاصة تستوعب هذه الديناميكية وتجعل الوعي بها أداةً للرقابة لا مصدراً للتحيز.
خامساً — كلود ليفي شتراوس: الحكمة الوسيطة
يرى كلود ليفي شتراوس (1908-2009) أن العلوم الإنسانية تراوح في موقع وسط بين التفسير الكلي والتنبؤ المطلق، وأنها تُقدّم "حكمة وسيطة بين المعرفة الخالصة والنافعة". ويُنبّه بعبارة لافتة إلى خطر داخلي في هذه العلوم:
الوعي هو العدو الخفي لعلوم الإنسان.
يُقصد بذلك أن الإنسان بوصفه موضوعاً للدراسة يحتجب وراء وعيه الذاتي وتفسيراته المسبقة لأفعاله، مما يُعسّر على الباحث بلوغ الأنماط العميقة الكامنة خلف السطح الظاهر. لهذا يطوّر ليفي شتراوس المنهج البنيوي الذي يسعى إلى اختراق هذا الوعي والكشف عن البنى اللاواعية المُنظِّمة للسلوك والثقافة.
المناقشة: مقارنة المواقف وحدودها
تكشف المقارنة بين هذه المواقف عن خطَّين متقاطعين لا يتوازيان بل يتعارضان ويُثريان بعضهما البعض:
أولاً: حدود موقف دوركايم. على الرغم من قيمة مشروع دوركايم في تأسيس السوسيولوجيا بوصفها علماً متمايزاً، فإن الموضوعية المنهجية التي يُنادي بها قد تُخفي وراءها انحيازات أولية: فالأسئلة التي يختار الباحث طرحها، والمفاهيم التي يُعبّئها لتصنيف الوقائع، تحمل في طيّاتها توجهات قيمية ورؤى نظرية مسبقة لا تختفي بمجرد إحكام المنهج. فضلاً عن ذلك، ينتقد بياجيه إسقاط النموذج الطبيعي على الظاهرة الاجتماعية لأن الظاهرة الأخيرة معقدة ومتغيرة وتاريخية لا يمكن إعادة إنتاجها في شروط مختبرية محكومة.
ثانياً: حدود موقف ديلتاي. يُعاب على الهرمينوطيقا الديلتايية أنها قد تنزلق نحو نسبية معرفية حادة: إذا كانت كل معرفة بالظاهرة الإنسانية رهينة بموقع الباحث وأفق فهمه وتعاطفه، فبأيّ مقياس نُميّز بين تأويل صحيح وتأويل مغلوط؟ وكيف نضبط الفهم دون أن ننزلق إلى الذاتية المحضة؟ الجواب يبقى معلقاً في هذا الاتجاه.
ثالثاً: حدود موقف فيبر. يُقدّم فيبر حلاً أكثر نضجاً لكنه لا يُفلت من نقد جوهري: الفصل العملي بين الحقائق الموضوعية والقيم الذاتية يظل أمراً عسيراً، بل ربما مستحيلاً تماماً في التطبيق الفعلي للبحث. فالقيم لا تُوجّه الأسئلة الأولية فحسب، بل تتسلل أيضاً إلى أدوات التحليل وفئات التصنيف وطرائق التفسير.
رابعاً: موقف ليفي شتراوس وبياجيه: على صواب كليهما في تشخيص المفارقة، يبقى التساؤل قائماً: هل يُفضي الانتباه المُضاعَف إلى حضور الذات وإلى حدود الوعي إلى منهجية أكثر دقة، أم إلى شلل معرفي يُعيق الباحث عن الاستنتاج والتعميم؟ المبالغة في نقد حدود العلوم الإنسانية قد تُطيح بمشروع علمية هذه العلوم برمّته.
خلاصة المناقشة: المواقف الأربعة لا تتعارض تعارضاً تاماً بل تكشف عن أبعاد مختلفة لإشكالية واحدة. دوركايم يُرسي شروط العلمية، وديلتاي يُنبّه إلى خصوصية الموضوع، وفيبر يُوفّق بين المطلبين، في حين يُشير بياجيه وليفي شتراوس إلى المفارقات البنيوية المُقيِّدة. الحل ليس في الاختيار بين هذه المواقف بل في الحوار الخلّاق بينها.
تركيب واستخلاص
💡
خلاصة: تكشف مسألة العلمية في السوسيولوجيا عن توتر منتج بين قطبين: قطب الموضوعية المنهجية الذي يُمثّله دوركايم بدعوته إلى دراسة الوقائع الاجتماعية كأشياء، وقطب الفهم التأويلي الذي يُمثّله ديلتاي بإصراره على خصوصية الظاهرة الإنسانية الحاملة للمعنى. بين القطبين، يُبلور ماكس فيبر موقفاً منهجياً ناضجاً يجمع الفهم التأويلي بالحياد القيمي المنضبط. أما بياجيه وليفي شتراوس فيُذكّران باستمرار بالمفارقة التأسيسية لهذه العلوم: الباحث هو جزء من الظاهرة التي يدرسها. والنتيجة التي تتقاطع عندها هذه المواقف هي أن السوسيولوجيا ليست أقل علمية من العلوم الطبيعية، بل هي علمية بطريقة مختلفة تستلزم أدوات وضوابط مخصوصة تحترم في آنٍ واحد صرامة المنهج وخصوصية الموضوع الإنساني.