إشكال المحور: الشخص بين الضرورة والحرية
يُعدّ الإنسان كائناً بالغ التعقيد، إذ يجد نفسه في قلب توتر دائم بين قطبين متعارضين: الحرية التي يختبرها في أعماق وعيه، والضرورة التي تفرضها عليه طبيعتُه البيولوجية ودوافعُه اللاواعية وبنيتُه الاجتماعية والثقافية. فهل الشخص فاعلٌ حقيقي يرسم مصيره بإرادته الحرة، أم أنه مجرد محطة في سلسلة علّية من الأسباب والمحددات التي تسبقه وتتجاوزه؟ وهل يمكن الحديث عن مسؤولية أخلاقية حقيقية إن كانت الضرورة تُطوّق الشخص من كل جانب؟ هذه الأسئلة الجوهرية تُشكّل إشكال هذا المحور.
المواقف الفلسفية المؤطِّرة للمحور
جان بول سارتر: الحرية المطلقة وأولوية الوجود
أطروحته: يُمثّل سارتر الموقف الأكثر جذريةً في الدفاع عن الحرية الإنسانية. فمن منطلق الفلسفة الوجودية، يؤكد أن الوجود سابق على الماهية: الإنسان يوجد أولاً في العالم دون أن تكون له طبيعة مُحددة مسبقاً أو ماهية ثابتة تُملي عليه أفعاله، ثم يختار ذاتَه ويُعرِّف نفسه من خلال اختياراته الحرة المتواصلة. ومن هنا جاءت صياغته الشهيرة التي تُلخّص هذا الموقف:
«الإنسان مشروع» يتجاوز وضعيته باختياراته الحرة المستمرة.
حججه: يرى سارتر أن الحرية ليست مجرد قدرة عارضة يمتلكها الإنسان أو يفقدها، بل هي الوضع الأساسي للوجود الإنساني ذاته. الشخص لا يستطيع الفرار من حريته حتى حين يحاول التنصل منها، لأن رفض الاختيار هو بدوره اختيار. وعليه، فإن الشخص يتحمل مسؤولية كاملة وتامة عما يصبح عليه؛ ولا يجوز له التحجج بالظروف الخارجية أو الوراثة أو المجتمع مسوّغاً لتهرّبه من المسؤولية.
باروخ سبينوزا: الحتمية العقلانية ووهم الحرية
أطروحته: يُمثّل سبينوزا القطب المقابل لسارتر تماماً. فالإنسان عنده جزء من الطبيعة الكلية، ولا يملك مكانةً استثنائية تُعفيه من الخضوع لقوانين السببية الصارمة. الحرية التي يشعر بها الإنسان ليست إلا وهماً ناتجاً عن جهله بالأسباب الحقيقية لأفعاله، لا عن استقلاليته الفعلية.
حججه: كل فعل إنساني محدَّد بواسطة سلسلة متصلة من العلل والمؤثرات، تمتد من المستوى البيولوجي إلى المستوى الاجتماعي. حين يظن الإنسان أنه يختار بحرية، فهو في الحقيقة يتبع دوافع تخفى عليه. بيد أن سبينوزا لا يقع في العدمية: فالحرية الممكنة الوحيدة هي حرية الفهم العقلاني للضرورات، أي أن يُدرك الإنسان الأسباب التي تُحرّكه ويتماهى معها عن وعي، لا أن يتوهم أنه يتجاوزها.
إيمانويل مونيي: الحرية المشروطة والالتزام القيمي
أطروحته: يسعى مونيي إلى تجاوز الثنائية الحادة بين الحرية المطلقة والحتمية الصارمة، فيُؤسّس لموقف وسيط قائم على مفهوم الحرية المشروطة. الحرية عنده ليست انعدام الضرورة بل هي القدرة على التغلب على العوائق والضرورات وتجاوزها إبداعياً.
حججه: الشخص لا يعيش في فراغ مجرد، بل يجد نفسه دائماً ضمن ظروف موضوعية محددة: بيولوجية واجتماعية وتاريخية. لكن هذه الظروف لا تُلغي حريته بل تُشكّل المادة التي يعمل فيها. الحرية الحقيقية هي تلك التي تتحقق من خلال الالتزام بقيم معينة والعمل على تجسيدها ضمن هذا الواقع المُقيَّد، لا بمعزل عنه. ومن ثَمّ فإن المسؤولية الأخلاقية تبقى حقيقية حتى في ظل الشروط الموضوعية.
سيغموند فرويد: سيطرة اللاوعي والغرائز على الشخص
أطروحته: يكشف فرويد بأدوات التحليل النفسي أن الشخص ليس سيداً في بيته العقلي. فمعظم الدوافع التي تُحرّك سلوكه تعمل في الخفاء، بعيداً عن سيطرة الوعي الواعية.
حججه: الرغبات الغريزية المكبوتة والعلاقات الأسرية المبكرة والتنشئة الاجتماعية الأولى تُشكّل في مجموعها بنية نفسية عميقة تُوجّه سلوك الشخص توجيهاً لاشعورياً. ما يُسمّى بـ«الهو» عند فرويد هو هذه الطاقة الغريزية المتفككة والمتبعثرة التي تتناقض مع صورة الوحدة الواعية التي يُكوّنها الشخص عن نفسه. الحرية الحقيقية، إن أمكن بلوغها، تمر حتماً عبر الوعي بهذه الدوافع اللاواعية والتحرر التدريجي من سيطرتها.
الحتميات الاجتماعية والثقافية: الشخص منتوجاً لبنيته
أطروحتها: تذهب العلوم الإنسانية والاجتماعية إلى أن البنيات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية تُحدّد وجود الشخص بصورة عميقة. الخيارات التي يُعدّها الفرد حرة هي في حقيقتها محكومة بقوى تسبقه وتتجاوزه.
حججها: الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها الشخص، والعادات الموروثة التي يكتسبها، والنزعات الثقافية السائدة في محيطه، كلها تُضيّق هامش اختياره الفعلي. الشخص منتوج اجتماعي بدرجة كبيرة، حتى حين يعتقد أنه يتصرف بحرية تامة. وهذا ما يدفع إلى التشكيك في إطلاق مفهوم الحرية دون أخذ السياق البنيوي بعين الاعتبار.
عزيز لحبابي: الحرية الملتزمة في أفق إنساني مسؤول
أطروحته: يُسهم الفيلسوف المغربي عزيز لحبابي بموقف يُعيد تأطير العلاقة بين الحرية والضرورة في أفق إنساني ومجتمعي. فالحرية عنده ليست مفهوماً نظرياً مجرداً بل هي حرية مجتمعية وتاريخية تنبثق من داخل الواقع المعاش.
حججه: حرية الشخص لا يمكن فصلها عن واقعه الاجتماعي والتاريخي المحدد. وعليه، فإن حريته الحقيقية هي تلك التي تصطدم بواقع الآخرين وتُقرّ به، وتنفتح على الالتزام بتحقيق الكرامة والعدالة. الحرية عند لحبابي ليست فردانية مُنغلقة بل هي حرية مسؤولة تُكمّل نفسها في الفضاء الاجتماعي المشترك.
المناقشة: مقارنة المواقف وحدودها
إن المواقف السابقة لا تتقاطع فحسب، بل تتعارض أحياناً في افتراضاتها الأساسية، مما يستدعي وقفةً نقدية دقيقة.
أولاً — يبلغ موقف سارتر حدّه حين يُطلق الحرية إطلاقاً مطلقاً. فتجاهلُه للمحددات البيولوجية والنفسية والاجتماعية يجعل موقفه مثالياً أكثر منه واقعياً. إن الإنسان يوجد في وضع يسبقه ويُقيّده، وهو ما يُقرّ به سارتر نفسه بمفهوم «الوضعية»، غير أنه يُقلّل من وطأته على الحرية الفعلية. فضلاً عن ذلك، يُلقي مفهوم المسؤولية المطلقة عبئاً لا يُحتمل على كاهل الإنسان في أوضاع القهر والظلم البنيوي.
ثانياً — في المقابل، تُجانف الحتمية الصارمة عند سبينوزا الوجدانَ الإنسانيَّ المباشر. فالشعور الأصيل بالحرية — شعور الإنسان بأنه يستطيع أن يفعل أو لا يفعل — لا يمكن ردّه ببساطة إلى وهم ناشئ عن الجهل. يُضاف إلى ذلك أن الحتمية المطلقة تُهدم معها المسؤولية الأخلاقية والقانونية جذرياً، مما يُعسّر بناء أي منظومة أخلاقية متماسكة.
ثالثاً — أما موقف فرويد فرغم أنه كشف آفاقاً حقيقية في فهم الدوافع الخفية، إلا أنه يواجه نقداً من جهة أن التحليل النفسي يُبقي الإنسان أسير ماضيه وغرائزه، مما يُضيّق مجال الممكن والتغيير. وقد تجاوز فرويد نفسه هذا بالإقرار بأن العلاج التحليلي يرمي أساساً إلى استعادة قدر من الحرية الواعية.
رابعاً — يظل موقف مونيي ولحبابي الأكثر اتساقاً مع التجربة الإنسانية المُركَّبة، إذ يُقرّان معاً بحقيقة الضرورات والقيود دون أن يتخلّيا عن مبدأ الحرية والمسؤولية. غير أن النقد الموجَّه إليهما هو أن تحديد الحد الفاصل بين ما هو ضروري وما هو حر يظل أمراً غير محسوم وعسيراً على التحديد الدقيق.
إجمالاً، يتضح أن الجدل الفلسفي حول الحرية والضرورة لا ينتهي إلى حسم قاطع، لأنه ينبع من طبيعة الوضع الإنساني ذاته: فالإنسان كائن يعي الشروط التي لم يخترها، وهذا الوعي بالذات هو أول درجات التجاوز والتحرر. وعي الإنسان بقيوده لا يُلغيها، لكنه يُحوّلها من سجن مغلق إلى مادة يشتغل عليها.
تركيب وخلاصة
💡
خلاصة: يقع الشخص في قلب توتر وجودي بنيوي بين الحرية والضرورة. فهو من جهة كائن تُطوّقه محددات بيولوجية ونفسية واجتماعية وثقافية تسبقه وتتجاوز وعيه المباشر، كما كشف فرويد والتحليل الاجتماعي. ومن جهة أخرى، هو كائن واعٍ قادر على الاعتراف بهذه القيود وتجاوزها من خلال اختياراته الملتزمة، كما أكد سارتر ومونيي ولحبابي. والأرجح فلسفياً أن الحرية الإنسانية ليست مطلقة كما تصوّرها سارتر، ولا وهماً صرفاً كما ذهب سبينوزا، بل هي حرية مشروطة وتدريجية تتحقق في مواجهة الضرورات لا في معزل عنها. إن وعي الشخص بوضعيته — بكل ما تنطوي عليه من قيود — هو المنطلق الحقيقي لمسؤوليته الأخلاقية وهويته الحرة.