Philosophie · 2ème année Bac — Lettres

مفهوم المسألة العلمية في العلوم الإنسانية (المحور الثاني : التفسير والفهم في العلوم الإنسانية)

المحور الثاني: التفسير والفهم في العلوم الإنسانية

أولاً: صياغة إشكال المحور

حين يُقرّر العلم الحديث أن المعرفة الصحيحة هي تلك التي تقوم على الملاحظة والتجريب واستخراج القوانين السببية، يجد الباحث في الشؤون الإنسانية نفسه أمام مفترق طرق حاد: أهو مُلزَم باتباع النهج التفسيري ذاته الذي تعتمده العلوم الطبيعية في كشف العلاقات السببية بين الظواهر، أم أن خصوصية الموضوع الإنساني — وما ينطوي عليه من وعي وإرادة ومعنى وقيمة — تفرض عليه نهجاً مغايراً قائماً على الفهم والتأويل؟
إن السؤال الجوهري الذي يُؤطّر هذا المحور هو: هل تُفسَّر الظواهر الإنسانية كما تُفسَّر الظواهر الطبيعية بكشف أسبابها الخارجية، أم أنها تُفهَم بالنفاذ إلى دلالاتها الداخلية ومقاصد الفاعلين؟ وفي الإجابة عن هذا السؤال تتباين المواقف الفلسفية تبايناً جذرياً يكشف عن طبيعة العلوم الإنسانية ذاتها وحدود ما يمكنها بلوغه.

ثانياً: المواقف الفلسفية المؤطِّرة للمحور

1 — إميل دوركايم: إمكانية التفسير العلمي للظواهر الإنسانية

أطروحته: يُرسي دوركايم (1858-1917) موقفه على مبدأ أن الظواهر الاجتماعية قابلة للتفسير العلمي تماماً كما تُفسَّر الظواهر الطبيعية. ويُبلور هذا الموقف في صيغة منهجية صريحة مفادها أن الوقائع الاجتماعية ينبغي دراستها بوصفها أشياء خارجية موضوعية.
الوقائع الاجتماعية يجب أن تعامل كأشياء موضوعية خارجة عن الفرد ولها قوة إلزامية.
حججه: يُحدّد دوركايم للحقيقة الاجتماعية جملةً من الخصائص تُرسّخ قابليتها للتفسير الموضوعي:
  • الموضوعية: الحقائق الاجتماعية موجودة خارج شعور الفرد ووعيه الخاص.
  • الإلزامية: إنها مفروضة على سلوك الأفراد وتفكيرهم، تماماً كما تفرض قوانين الطبيعة نفسها على المادة.
  • الترابط: الظواهر الاجتماعية مرتبطة فيما بينها ويمكن رصد علاقات سببية ثابتة بينها.
ويستند دوركايم إلى دراسته الميدانية الشهيرة حول الانتحار دليلاً على صحة منهجه: فقد بيّن أن تفاوت معدلات الانتحار بين الجماعات لا يُفسَّر بالدوافع الفردية الخفية، بل بتفاوت درجات التضامن الاجتماعي — وهو عامل موضوعي قابل للقياس والمقارنة. ويخلص إلى أن المنهج الملائم للعلوم الإنسانية هو الملاحظة والإحصاء والمقارنة، لا الغوص في المقاصد الذاتية للأفراد.

2 — فيلهلم ديلتاي: ضرورة الفهم منهجاً للعلوم الإنسانية

أطروحته: يُؤسّس ديلتاي (1833-1911) تمييزاً جوهرياً يعدّه الركيزة الأبستمولوجية الأساسية للعلوم الإنسانية، ويُلخّصه في مقولته الشهيرة:
إننا نفسّر الطبيعة، ونفهم الظواهر الإنسانية.
حججه: يُفرّق ديلتاي بين صنفين من العلوم من حيث طبيعة الموضوع والمنهج معاً:
  • العلوم الطبيعية تتناول ظواهر خارجية خالية من الوعي والقيمة، لذلك يكفيها التفسير السببي الذي يُحدّد "الكيف" الميكانيكي للأشياء.
  • العلوم الإنسانية تتناول ذوات حية واعية وحرة، تُصدر أفعالاً مشحونة بالنوايا والمقاصد والقيم، وهذه لا تُدرَك بالقياس الخارجي بل بالفهم من الداخل.
والفهم عند ديلتاي ليس تجاوباً عاطفياً ساذجاً، بل هو منهج رصين يقوم على تأويل التعبيرات — اللغوية والفنية والمؤسسية — التي يُبدعها الإنسان، وعلى إدراك المقاصد والغايات التي تُحرّك الفعل. إن الفعل الإنساني، في نظر ديلتاي، ليس واقعة مادية خالصة، بل هو حامل لدلالة يُسبغها الفاعل نفسه على سلوكه.

3 — ماكس فيبر: الجمع بين الفهم التأويلي والموضوعية المنهجية

أطروحته: يسعى فيبر (1864-1920) إلى موقف وسيط يتجاوز ثنائية التفسير الصارم والفهم الانطباعي، مُنطلقاً من مفهوم أساسي هو الفعل الاجتماعي:
الفعل الاجتماعي هو فعل يعطيه الفاعل معنى معيناً يسعى لتحقيقه.
حججه: يُقرّ فيبر بأن الفعل الإنساني ينطوي على معنى داخلي لا غنى عن فهمه، لكنه يرفض في الوقت ذاته أن يتحول الباحث إلى مجرد مُتعاطف ذاتي. لذلك يشترط:
  • الفهم الهرمينوطيقي: الاجتهاد في استيعاب الدوافع والنوايا والمعاني التي يُسبغها الفاعل على فعله.
  • الحياد القيمي (Wertfreiheit): عدم فرض قيم الباحث الشخصية على البيانات وتفسيرها، وإن كانت القيم توجّه الأسئلة البحثية لا محالة.
  • التمييز الواضح بين الحقائق الموضوعية والأحكام القيمية، مع الاعتراف بأن القيم تُشكّل الإطار الذي داخله تُصاغ الأسئلة العلمية.
هكذا يُقدّم فيبر منهجية تحترم خصوصية الموضوع الإنساني دون التخلي عن متطلبات الصرامة العلمية.

4 — كلود ليفي شتراوس: العلوم الإنسانية في منتصف الطريق

أطروحته: يرى ليفي شتراوس (1908-2009) أن العلوم الإنسانية لا تنتمي بالكامل إلى عالم التفسير الكمي ولا إلى عالم الفهم الكيفي، بل تقدّم:
حكمة وسيطة بين المعرفة الخالصة والمعرفة النافعة.
حججه: يُنبّه ليفي شتراوس إلى أن ثنائية الذات والموضوع ليست خاصية انفردت بها العلوم الإنسانية، بل هي إشكال يعترض سبيل العلم عموماً. غير أنها في العلوم الإنسانية أكثر حدةً لأن الباحث يشترك وجودياً مع موضوع بحثه. ومن ثمّ يُشدّد على ضرورة الحفاظ على مسافة منهجية بين الملاحظ والملاحَظ، مُحذّراً من أن:
الوعي هو العدو الخفي لعلوم الإنسان.
أي أن التماهي الكامل مع الموضوع المدروس يُفضي إلى الذاتية المُخلّة لا إلى الفهم الأعمق. ويستخلص من ذلك أن العلوم الإنسانية في وضع حرج: لا تُفسّر تفسيراً نهائياً ولا تتنبأ بيقين تام.

5 — جان بياجيه: مفارقة الذات الباحثة والموضوع المدروس

أطروحته: يكشف بياجيه (1896-1980) عن تناقض بنيوي يسكن العلوم الإنسانية ويُعسّر عليها بلوغ التفسير الموضوعي الكامل، مُلخَّصاً في:
الباحث يدرس الإنسان وهو نفسه إنسان.
حججه: يُحدّد بياجيه ثلاثة وجوه لهذا التداخل الإشكالي بين الذات والموضوع:
  • الملاحظة ذاتها قد تُحدث تغييرات في الظاهرة المدروسة، فتنعدم الحدود بين الأثر والمؤثَّر.
  • الباحث محمّل بأحكام قبلية وقيم شخصية وثقافية تتسرّب لا شعورياً إلى صياغة أسئلته وتفسير نتائجه.
  • يستحيل فصل الذات الباحثة عن الذات الاجتماعية، ما يجعل الحياد العلمي المطلق طموحاً لا يكتمل.
ويستخلص بياجيه أن ذلك لا يعني التخلي عن الطموح العلمي، بل يدعو إلى تطوير مناهج خاصة تأخذ هذه الديناميكية بعين الاعتبار وتجعل الوعي بالانحياز أداةً للرقابة الذاتية.

ثالثاً: مناقشة — مقارنة المواقف وحدودها

تكشف المواقف الفلسفية المعروضة عن توتر حقيقي لا يقبل حلاً اختزالياً. فالموقف الدوركايمي الذي يدعو إلى معاملة الظواهر الاجتماعية معاملة الأشياء يُحقّق قدراً لا يُستهان به من الصرامة المنهجية — كما أثبتت دراسة الانتحار — لكنه يُعرّض نفسه لانتقاد جوهري: إن الأسئلة التي يطرحها الباحث ليست محايدة، وهي مسبوقة باختيارات قيمية تُؤطّر حتى أكثر الملاحظات "موضوعية".
أما موقف ديلتاي فيُصحّح هذا العمى عن طريق الاعتراف بأن الموضوع الإنساني موضوع حيّ يحمل دلالاته الخاصة. بيد أنه ينزلق نحو خطر الانغماس الذاتي الذي يُهدّد الموضوعية؛ إذ قد يُفضي التعاطف المطلق مع الموضوع إلى تأويلات تعكس انحيازات الباحث أكثر مما تكشف عن حقيقة الظاهرة.
ويُحاول فيبر استيعاب هذا التوتر بتمييزه بين الحيادية القيمية المنهجية ودور القيم في توجيه الأسئلة البحثية. غير أن التطبيق العملي لهذا التمييز يبقى إشكالياً، إذ يصعب في الممارسة الفعلية رسم حدود صارمة بين ما هو حقيقة وما هو قيمة. وما يُقدّمه فيبر وسيطاً نظرياً قد يتحول في الممارسة إلى التباس منهجي.
أما ليفي شتراوس وبياجيه فيُقدّمان تشخيصاً لا يختلف عليه أحد — وهو أن إشكالية الذات والموضوع حاضرة دوماً في العلوم الإنسانية — لكن الانتقاد الوارد هو أن التركيز المفرط على هذه الإشكالية قد يُفضي إلى نسبية معرفية تُعطّل أي طموح علمي جادّ.
وتبقى الحدود المشتركة لجميع هذه المواقف في أنها تُؤطّر الإشكال ثنائيةً صارمة — تفسير أم فهم — في حين أن الممارسة الفعلية للبحث الإنساني الناجح تمزج بين الاثنين بصورة مركّبة لا يُغطيها أي من الموقفين منفرداً.

رابعاً: تركيب وخلاصة

💡
خلاصة: يتمحور الجدل حول التفسير والفهم في العلوم الإنسانية حول سؤال عميق يتعلق بطبيعة الموضوع الإنساني ذاته. فدوركايم يُصرّ على أن الصرامة العلمية مشروطة بموضعة الظاهرة ودراستها من الخارج، بينما يُؤكّد ديلتاي أن حيوية الموضوع الإنساني وانطواءه على معنى تقتضي نهج الفهم لا التفسير. ويجتهد فيبر في الجمع بين المسلكين عبر مفهوم الفعل الاجتماعي المشبع بالمعنى مع التزام الحياد المنهجي. أما ليفي شتراوس وبياجيه فيُذكّران باستمرار بأن حضور الذات الباحثة في قلب الموضوع المدروس هو سمة هيكلية لا مجرد عائق عارض. وتتقارب هذه المواقف في لحظة تركيبية واحدة: العلوم الإنسانية ليست نسخة منقوصة من العلوم الطبيعية، بل هي علمية مختلفة تستوجب مناهج تجمع بين دقة التفسير وعمق الفهم في آنٍ واحد، مع الوعي الدائم بحضور الذات وأثرها في بناء المعرفة.