Philosophie · 2ème année Bac — Lettres

مفهوم العنف (المحور الثاني : العنف في التاريخ)

المحور الثاني: العنف في التاريخ

أولاً: إشكال المحور

يطرح هذا المحور تساؤلاً جوهرياً يتعلق بالعلاقة بين العنف والمسيرة الحضارية للإنسانية: هل العنف ظاهرة عابرة في التاريخ، أم أنه قوة مؤسِّسة كامنة في صميم الوجود الإنساني؟ هل مصدره الطبيعة البشرية الفطرية أم الظروف الاجتماعية والاقتصادية؟ وهل يمكن للإنسان أن يتجاوزه أم أنه قدر لا مفر منه؟
إن الإجابة على هذه التساؤلات ليست نظرية خالصة، بل تنعكس مباشرة على طريقة تعاملنا مع العنف في الحياة السياسية والاجتماعية. فإذا كان العنف غريزةً فطرية، فإن المهمة الوحيدة تكمن في كبحه وتنظيمه. أما إذا كان نتاجاً للبنى الاجتماعية، فإن الحل يستلزم تغيير هذه البنى من جذورها.

ثانياً: المواقف الفلسفية

توماس هوبز: العنف في الطبيعة الإنسانية

يمثل الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز (1588-1679) الاتجاه الطبيعاني في تفسير العنف، إذ يرى أن العنف متجذر في عمق الطبيعة الإنسانية ذاتها. يُقيم هوبز تصوره انطلاقاً من فرضية "حالة الطبيعة"، وهي حالة افتراضية سابقة على قيام المجتمع السياسي، تسود فيها حرب الكل ضد الكل. في هذه الحالة يكون الإنسان "ذئباً لأخيه الإنسان" (Homo homini lupus)، والحياة فيها، على حد تعبيره، "وحيدة وفقيرة ووحشية وقصيرة".
يحدد هوبز ثلاثة دوافع أساسية تُفضي إلى العنف بين البشر:
  • التنافس: السعي إلى امتلاك الموارد والمنافع المادية
  • الحذر: الحرص على الأمن والبقاء في مواجهة الآخرين
  • الأنفة والكبرياء: الرغبة في التفوق والسمعة والاعتراف
وعلى هذا الأساس يستنتج هوبز أن الخروج من هذا المأزق لا يتم إلا بتأسيس دولة قوية، أسماها الليفياتان، تحتكر العنف وتفرض النظام، لأن العقل يملي على الناس التنازل عن جزء من حريتهم لسلطة مركزية تكفل لهم الأمن والسلام. العنف إذن في نظره ليس طارئاً بل هو الحالة الأصلية التي أسفرت عن الحاجة إلى السياسة والدولة.

سيغموند فرويد: العنف والغرائز الإنسانية

يلتقي المحلل النفسي سيغموند فرويد (1856-1939) مع هوبز في إرجاع العنف إلى باطن الإنسان الفطري، غير أنه يؤطره بمفردات علم النفس لا الفلسفة السياسية. يقوم تصور فرويد على نظرية ازدواجية الغرائز:
  • غريزة الحياة (إيروس): دافع البناء والحب والانتماء والاستمرارية
  • غريزة الموت (ثاناتوس): دافع التدمير والعدوان والعودة إلى اللاوجود
يرى فرويد أن العدوانية غريزة فطرية راسخة في التكوين النفسي للإنسان، وليست سلوكاً مكتسباً. وحين تتراكم هذه الطاقة العدوانية في النفوس الفردية وتجد مخرجاً جماعياً، تتجلى في صورة الحرب. يقول فرويد إن "الحرب ليست مجرد خلل سياسي، بل تعبير جماعي عن طاقة عدوانية فردية". والحضارة عنده محاولة دؤوبة لكبح هذه الغرائز وترويضها، لكنها لا تستطيع محوها كلياً، إذ تطفو من جديد كلما ارتخت قيود النظام الاجتماعي.

كارل ماركس: العنف وليد الصراع الطبقي

يخالف كارل ماركس (1818-1883) الموقفين السابقين مخالفةً جذرية؛ فهو يرفض تفسير العنف بالطبيعة البشرية الثابتة، ويؤسس قراءته على المادية التاريخية. في نظره، تاريخ المجتمعات البشرية لا يُقرأ إلا من خلال منظار الصراع الطبقي؛ فـ
تاريخ كل المجتمعات المكتوبة حتى الآن هو تاريخ صراع الطبقات.
ينبثق العنف عند ماركس من التناقضات الجوهرية التي تُفرزها علاقات الإنتاج: الاستغلال والاستلاب والقهر الاقتصادي. ولا ينتهي هذا العنف البنيوي إلا بإنهاء الأساس الذي يُولّده، وهو انقسام المجتمع إلى طبقات متنازعة. والثورة البروليتارية في هذا الإطار ليست عنفاً عشوائياً، بل هي، كما يصفها، "قابلة التاريخ"، أي القوة التي تُخرج مجتمعاً جديداً من رحم التاريخ. فالعنف الثوري وسيلة تاريخية لتفكيك علاقات الإنتاج الظالمة، ومن ثم بلوغ مجتمع تتلاشى فيه الطبقات وينتهي الصراع.

إريك فروم: العنف كنتاج للظروف الخارجية

يقف إريك فروم (1900-1980) موقفاً نقدياً مزدوجاً؛ فهو لا يقبل بالتفسير الغريزي الذي يقدمه فرويد وهوبز، ولا يكتفي بالتفسير الطبقي الصرف عند ماركس. يُميّز فروم بين العدوان الدفاعي الذي هو ردّ فعل طبيعي يشترك فيه الإنسان مع الحيوان للدفاع عن الحياة، وبين العنف التدميري الذي ليس غريزةً بشرية بل نتيجة مباشرة لظروف خارجية قاهرة.
ويذهب فروم إلى أن الممارسات العنيفة في التاريخ، حتى أقساها، لا تعكس بالضرورة نزوعاً نحو التدمير لذاته، بل تعكس في الغالب رغبة عميقة في الحفاظ على وحدة الجماعة وتأكيد هويتها وإثبات وجودها. الأحداث المفاجئة والظروف الاجتماعية الضاغطة هي التي تُطلق الطاقة التدميرية الكامنة وتُضخّمها. ومن ثم، فإن مواجهة العنف لا تكون بالمراهنة على تغيير الطبيعة الإنسانية، بل بتغيير الأوضاع الاجتماعية التي تُنتجه.

ثالثاً: مناقشة ونقد المواقف

يمكن تصنيف هذه المواقف الأربعة في خطين متقابلين:
الخط الأول — الطبيعة والفطرة: يجمع هوبز وفرويد على أن العنف نابع من أعماق الإنسان ذاته. بيد أن هذا الموقف يعرّض نفسه لانتقادات جدية؛ فهوبز يبني على «حالة طبيعة» افتراضية لا يمكن التحقق منها تاريخياً. أما فرويد فيُسقط مسلّمات علم النفس الفردي على ظاهرة اجتماعية وسياسية معقدة، إذ لا يكفي الاستناد إلى «غريزة الموت» لتفسير تفاوت حضور العنف بين المجتمعات وعبر الحقب التاريخية.
الخط الثاني — البنية الاجتماعية: يتشارك ماركس وفروم في الإصرار على أن العوامل الخارجية هي المحرك الأساسي للعنف. يوفر هذا المنظور أداةً تحليلية أقوى لفهم التفاوتات التاريخية في حضور العنف وغيابه. غير أن موقف ماركس يستحق المساءلة بدوره: فهل التناقض الطبقي وحده كافٍ لتفسير كل أشكال العنف في التاريخ، بما فيها العنف الديني والإثني والجندري؟ وهل الثورة كوسيلة للخلاص من العنف لا تُعيد إنتاجه بأشكال جديدة؟
أما فروم فيقدم توليفاً أكثر نضجاً ومرونة؛ يُبقي على الاحتمالية الإنسانية للعنف دون أن يجعلها مصيراً محتوماً، ويُعلي من شأن الظروف الاجتماعية دون إهمال الأبعاد النفسية. إلا أن موقفه قد يبدو مُبهَماً حين يتعلق الأمر بتحديد الظروف «المُحررة» من هذه الطاقة التدميرية.
وفي ضوء هذه المقارنة، يتبيّن أن الاتجاه الفلسفي الأكثر إقناعاً يمزج بين المستويين: الطبيعة البشرية لا تُلغى كلياً، لكنها تحتوي على إمكانية للعنف تُحرّكها وتُضخّمها الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لا العكس.
💡
تركيب — خلاصة المحور: يكشف استعراض المواقف الفلسفية في هذا المحور أن العنف في التاريخ ظاهرة ذات جذور متشعبة لا يُختزل تفسيرها في مصدر واحد. رأى هوبز وفرويد أن بذرة العنف مغروسة في الطبيعة الإنسانية ذاتها، سواء تجلّت في صورة حرب الكل ضد الكل عند هوبز أو في صورة غريزة الموت عند فرويد. في المقابل، أرجع ماركس العنف إلى الصراع الطبقي المتجذر في علاقات الإنتاج، فيما رأى فروم أنه نتاج للظروف الخارجية لا للفطرة. وبين هذين القطبين يظهر أن العنف ليس قدراً حتمياً محكوماً بالطبيعة، ولا شبحاً يختفي بمجرد تغيير البنى الاقتصادية، بل هو ظاهرة مركّبة تتشابك فيها الأبعاد النفسية والاجتماعية والتاريخية معاً.