المحور الثالث: دور الإنسان في التاريخ
إشكال المحور
يطرح هذا المحور سؤالاً جوهرياً في صميم الفلسفة التاريخية: هل الإنسان فاعل حقيقي يصنع التاريخ بإرادته الحرة؟ أم أنه مجرد أداة في يد قوى أكبر منه — عقلية أو اقتصادية أو بنيوية — تُحرّكه من وراء ستار؟ بعبارة أخرى، هل الإنسان صانع التاريخ أم مصنوعٌ به؟ وهل الحرية ممكنة في عالم تحكمه الحتميات؟
تنبثق من هذا الإشكال تساؤلات فرعية متشعبة: هل توجد قوانين موضوعية تحكم سيرورة التاريخ البشري بصرف النظر عن إرادة الأفراد؟ وإن وُجدت، أين يتموضع الإنسان إزاءها: في موقع المنفّذ أم المبادر؟ وإلى أي حد تظل المسؤولية الأخلاقية قائمة إذا كان التاريخ محكوماً بضرورات لا فكاك منها؟
المواقف الفلسفية
هيغل: التاريخ حركة الروح نحو الحرية
أطروحة هيغل: يرى هيغل (1770-1831) أن التاريخ ليس سلسلة عشوائية من الأحداث، بل هو صيرورة عقلانية تتكشّف فيها الروح الكلية لتُدرك ذاتها وتحقق حريتها. والتاريخ في جوهره مسار منطقي تقطعه الإنسانية عبر مراحل متعاقبة، كل مرحلة تحمل في أحشائها نقيضها، فيصطرعان وينتجان تركيباً أرقى.
الجدلية الثلاثية والمراحل: ينتظم التاريخ عند هيغل وفق حركة جدلية — أطروحة ونقيض وتركيب — تتجلى في ثلاث مراحل كبرى: حرية الحاكم الواحد في الحضارات الشرقية والرومانية، ثم الحرية الفردية التي انتزعها الإصلاح البروتستانتي، ثم الحرية المدنية التي تجسّدها الدولة الحديثة. وهكذا فإن الحرية ليست معطىً فطرياً، بل مكسبٌ تاريخي يتحقق تدريجياً.
دور الفاعل البشري: في هذا الإطار، يُؤدي عظماء التاريخ — كنابليون أو الإسكندر — دوراً أداتياً لا غير؛ فهم ينفّذون ما اقتضته الفكرة التي سبقت وجودهم. إنهم واجهة تاريخية لحركة الروح، لا مبدعون لمسار مستقل.
«التاريخ هو حركة منطقية للروح نحو تحقيق وعيها بالحرية» — هيغل
ماركس وإنجلز: الصراع الطبقي محرّك التاريخ
الأطروحة المادية: ينقلب كارل ماركس (1818-1883) وفريدريك إنجلز على هيغل من موضع الأرض لا السماء؛ فالتاريخ عندهما ليس فعل الروح بل فعل البشر الحقيقيين الساعين إلى أهداف مادية ملموسة. والبناء التحتي الاقتصادي — أي نمط الإنتاج وعلاقات الملكية — هو الذي يُفرز البناء الفوقي بكل مكوناته: الأيديولوجيا والدين والقانون والفن.
الحتمية والمراحل: يرى ماركس أن التاريخ يسير عبر مراحل حتمية متتالية — المشاعية البدائية، ثم العبودية، فالإقطاعية، فالرأسمالية — وصولاً إلى الاشتراكية ثم الشيوعية، بوصفها نهاية الصراع الطبقي. نمط الإنتاج في كل حقبة يُفرز طبقة مستغِلة وأخرى مستغَلة، ومن صراعهما تنبثق الحقبة التالية. الإنسان هنا فاعل، لكنه يفعل بحكم موقعه الطبقي، لا بإرادة مطلقة.
«الإنسان نفسه يصنع التاريخ... التاريخ لا يفعل شيئاً... البشر الحقيقيون هم من يفعلون كل ذلك» — ماركس
سارتر: الإنسان صانع التاريخ بحريته المسؤولة
الأطروحة الوجودية: يُرسي جان بول سارتر (1905-1980) تصوراً مغايراً: الإنسان هو الفاعل التاريخي الأصيل الذي يملك حرية اختيار حقيقية، وإن اشتغلت هذه الحرية ضمن حقل ممكنات محدودة بالظروف الموضوعية. الإنسان لا يجد نفسه صنيعاً لقوى مجهولة؛ بل هو كائن يتموضع في التاريخ ويتغرّب فيه، لكنه يختار موقفه ويتحمّل عواقب اختياره.
الحرية والمسؤولية: يربط سارتر الحرية بالمسؤولية ربطاً وثيقاً: فلأن الإنسان يختار، فهو مسؤول عما يكون عليه وعن الصورة التي يُقدّم بها الإنسانية جمعاء. هذا الموقف يُعلي من شأن الفعل الفردي ويُقاوم أي قراءة تختزل المسار التاريخي في ضرورات مُقررة سلفاً.
«الإنسان مسؤول عما هو، والخطوة الأولى للوجودية هي أن تضع الإنسان أمام كينونته» — سارتر
ميرلو-بونتي: التاريخ فضاء مفتوح للمبادرة والصدفة
نقد الحتمية: يُساجل موريس ميرلو-بونتي الحتمية التاريخية بكل أشكالها، معتبراً إياها نزعة لاهوتية مقنّعة؛ إذ تُحوّل التاريخ إلى مسار مقدَّر ومكتوب، فتُقصي العنصر الإنساني الحقيقي. فالتاريخ عنده ليس برنامجاً مُبرمجاً مسبقاً، بل فضاء تتقاطع فيه المبادرات الفردية مع الظروف غير المتوقعة والمنعطفات التي لا يمكن استشراف نهاياتها.
يُعيد ميرلو-بونتي الاعتبار للصدفة وللفعل الإنساني المتفرّد بوصفهما مكوّنَين بنيويَّين في صنع التاريخ، لا عوامل عرضية يمكن اختزالها في قوانين آلية. وهو بذلك يُقرّب الفعل الإنساني من الإبداع الحقيقي.
ليفي شتراوس: البنية تتقدّم على الفاعل
الأطروحة البنيوية: يخالف كلود ليفي شتراوس المسار الذي يضع الإنسان الفرد في مركز التاريخ؛ فهو يرى أن العقل البشري واحد في جميع الأزمنة والمجتمعات، وأن البنى الخفية هي ما يُنظّم الوجود الإنساني ويُشكّل تجلياته الثقافية والتاريخية، لا الإرادات الفردية.
بديل التقدم الخطي: رافض ليفي شتراوس فكرة التقدم المتصل من الحضارات «البدائية» إلى «الحديثة»، ويقترح بديلاً مغايراً يُشبّه فيه حركة التاريخ بـحركة حصان الشطرنج؛ متعددة الاتجاهات وغير قابلة للاختزال في خط صاعد واحد. وهكذا يغدو الإنسان الفرد أقرب إلى مفعول البنية منه إلى فاعل حر.
ابن خلدون: السنن الاجتماعية والعصبية وصناعة التاريخ
التأسيس المنهجي: يُعدّ عبد الرحمن ابن خلدون (1332-1406) مؤسّساً لفلسفة التاريخ بمعناها العلمي المنهجي، قبل أن تتشكّل هذه الفلسفة في الفكر الغربي الحديث. فالتاريخ عنده ليس مجرد إخبار بما وقع، بل هو «نظر وتحقيق وتعليل الكائنات ومبادئها» ومعرفة بكيفيات الوقائع وأسبابها.
دور العصبية والدين: يرى ابن خلدون أن التاريخ تحكمه سنن اجتماعية وكونية ثابتة. وتقوم العصبية — أي الرابطة الجماعية التي تشدّ أفراد المجموعة بعضهم إلى بعض — بدور المحرّك الأساسي لقيام الدول وأُفولها. إلى جانب ذلك، يُشير إلى أن «للدين أثره الفاعل في ترويض النفس العربية» وفي توجيه الطاقة الاجتماعية نحو البناء الحضاري. فالإنسان عند ابن خلدون يصنع التاريخ لكن وفق قوانين اجتماعية موضوعية لا تتبدّل.
«إن التاريخ في ظاهره لا يزيد عن الإخبار، ولكن في باطنه نظر وتحقيق» — ابن خلدون
مناقشة: مقارنة المواقف وحدودها
تنقسم المواقف الفلسفية المدروسة إلى قطبين كبيرين: قطب يُغلّب الحتمية على الحرية، وقطب يُعلي من شأن الفعل الإنساني الحر.
حدود الحتمية الهيغلية: تشترك أطروحة هيغل والأطروحة الماركسية في إخضاع الفاعل الإنساني لمنطق أعلى — سواء أكان «الروح الكلية» أم «الصراع الطبقي». غير أن هيغل يتعرّض لانتقاد جذري: إذ يُحوّل الكوارث التاريخية إلى «لحظات ضرورية» في مسيرة الروح، فيغيب صوت الضحايا ويُختزل الفرد في أداة خدمة للكل. وماركس بدوره، حين يُحكم قبضة الاقتصاد على كل شيء، يُصادر هامش الحرية السياسية والأخلاقية لدى الأفراد.
حدود الأطروحة الوجودية: تُقرّ الفلسفة الوجودية لدى سارتر بأن الحرية الإنسانية تتموضع ضمن ظروف محددة سلفاً، وهو ما يجعلها حرية نسبية لا مطلقة. ولا يُجيب سارتر بوضوح كافٍ على سؤال ما إذا كانت هذه الحرية كافية لتغيير البنى الاجتماعية القائمة، أو أنها محكومة في نهاية المطاف بثقل الظروف الموضوعية.
حدود البنيوية: تتسم أطروحة ليفي شتراوس بـغياب عنصر الأمل وسلبية الفرد؛ فحين تصبح البنية هي السيدة المطلقة، يتقلّص الفعل الإنساني إلى استجابة آلية ويفقد التاريخ طاقته التحريرية. كما أن إقصاء فكرة التقدم يُفضي إلى نسبية ثقافية تُعسّر الحكم الأخلاقي على الأحداث التاريخية.
قيمة موقف ميرلو-بونتي وابن خلدون: يتميّز ميرلو-بونتي باستعادة قيمة الصدفة والمبادرة الإنسانية دون الوقوع في الذاتية المجردة. أما ابن خلدون فيجمع بعمق بين البُعدين: التاريخ محكوم بسنن موضوعية (العصبية، الدورة الحضارية)، لكن الإنسان يبقى عاملاً فاعلاً يُنشّط هذه السنن أو يُعطّلها. وهو بذلك يُقدّم نموذجاً توفيقياً يتجاوز ثنائية الحتمية والحرية.
تركيب وخلاصة
💡
خلاصة: لا يُجيب الفكر الفلسفي بصوت واحد على سؤال دور الإنسان في التاريخ. بين الحتمية الهيغلية التي تُذيب الفرد في مسيرة الروح، والحتمية الماركسية التي تُخضعه لقوانين الاقتصاد، والحرية الوجودية التي تُحمّله مسؤولية لا تحدّها إلا الظروف — يظل الإنسان كائناً مزدوجاً: يحمل في آنٍ واحد قيوداً موضوعية وطاقة تحرّرية. الموقف الأكثر اتزاناً هو الذي يرفض الحتمية المطلقة دون أن يُطلق الحرية من كل قيد؛ فالإنسان يصنع التاريخ فعلاً، لكنه لا يصنعه في ظروف يختارها هو. وفي هذا التوتر الخلاق بين الحرية والضرورة تكمن رهانات الفعل التاريخي الإنساني الأصيل.