المحور الثاني: العقلانية العلمية
أولاً: إشكال المحور
يقف هذا المحور عند سؤال جوهري في إبستيمولوجيا العلوم: هل العقل هو المبدأ الأول في بناء المعرفة العلمية، أم أن التجربة هي التي تمنح النظريات شرعيتها ومعناها؟ وبصياغة أدق: هل يُوجِّه العقل التجربةَ ويرسم حدودها، أم أن التجربة هي التي تُقيّد العقل وتُصحّح مساره؟ ومن ثمَّ، ما طبيعة العقلانية العلمية: أهي عقلانية خالصة مكتفية بذاتها، أم عقلانية مُطبَّقة تستمد حياتها من حوارها الدائم مع الواقع التجريبي؟
يكشف هذا الإشكال عن توتر عميق بين موقفين متقابلين: موقف يرى أن النظرية العلمية إبداع عقلي حر يسبق التجربة ويُوجّهها، وموقف يرى أن العقل لا ينتج معرفةً صحيحة إلا حين يُخضع تصوراته لمحكّ التجربة. والسؤال الفلسفي الكبير هو: هل يمكن تجاوز هذا التعارض، أم أن المعرفة العلمية تنشأ بالضبط في نقطة الالتقاء الجدلي بين القطبين؟
ثانياً: المواقف الفلسفية
ألبير آينشتاين: النظرية تُوجِّه التجربة
يذهب ألبير آينشتاين (1879-1955) إلى أن البناء النظري يسبق التجربة ويُوجّهها، وأن العقل الرياضي هو المبدأ الخلاق الحقيقي في العلم. ففي محاضراته وأعماله الفلسفية يؤكد أن المفاهيم والمبادئ التي يتكون منها النسق النظري للعلم هي إبداعات حرة للعقل الرياضي، لا مجرد استخلاصات من الملاحظة الحسية.
ويُخالف آينشتاين في ذلك التصور النيوتني الذي كان يُؤثر الانطلاق من الملاحظة المباشرة، إذ يرى أن الفرضية العقلية تأتي أولاً وأن التجربة تأتي بعدها لتختبر ما يُنتجه العقل لا لتُولّد المفاهيم ابتداءً. وقد نظر آينشتاين إلى البناء الرياضي الخالص باعتباره الأداة التي تُمكّن العالِم من اكتشاف المفاهيم والقوانين التي تربط الظواهر بعضها ببعض، وهو ما يُعبّر عنه في سياقات متعددة من كتاباته الفلسفية.
غير أن آينشتاين لا ينفي دور التجربة نفياً مطلقاً؛ فهي تبقى ضرورية، لكن وظيفتها اختبار ما يُولّده العقل ومراجعته، لا استئناف البناء من الصفر. وهكذا يُرسي آينشتاين رؤية عقلانية راسخة تجعل من النظرية شرط إمكان أي تجريب ذي معنى.
غاستون باشلار: العقلانية التطبيقية — اليقين المزدوج
يُقدّم غاستون باشلار (1884-1962)، في مؤلفاته «تكوين العقل العلمي» (1938) و«العقلانية التطبيقية» (1949)، موقفاً توليفياً يتجاوز العقلانية الخالصة والتجريبية الساذجة معاً. فالمعرفة العلمية عنده لا تنشأ من تجربة خالصة معزولة عن العقل، ولا من عقل مجرد منفصل عن الواقع، بل من حوار جدلي دقيق بين المستوى النظري والمستوى التجريبي، وهو ما يُسمّيه «العقلانية التطبيقية» أو ما يُعبَّر عنه بـ«اليقين المزدوج».
ويرى باشلار أن العقل في علاقة جدلية مع معارفه: فهو يُنتجها لكنه يخضع لتأثيرها في الوقت ذاته، مما يجعله يُكيّف بنيته باستمرار مع تطور العلوم. وقد طوّر باشلار في هذا الإطار مفهوم «العائق الإبستيمولوجي» ليدلّ به على ما تُشكّله التجربة الخام والمعرفة العامية من عقبات أمام التقدم العلمي، لكونها مُثقَلة بالأحكام المسبقة والتصورات الأولية.
ويُلازم هذا المفهومَ مفهومُ «القطيعة الإبستيمولوجية» الذي يؤكد أن التقدم العلمي لا يسير بتراكم تدريجي هادئ، بل بانقطاعات ثورية مع المعرفة السابقة تُعيد رسم حدود المجال المعرفي من أساسه. وتتجلى ثمرة هذا التصور في حكمه على الفيزياء المعاصرة — ولا سيما الميكانيكا الكمية — بأنها أثبتت أن الواقع العلمي «واقع مُنتَج» لا «واقع مُعطى»، أي أن العقل يُشارك فعلياً في بناء موضوعه لا في استقباله سلبياً. ومن ثمَّ لا توجد عنده عقلانية فارغة من الواقع، كما لا توجد تجريبية عمياء من العقل، بل تفاعل دائم بينهما.
روبير بلانشي: الحوار الديالكتيكي بين العقل والتجربة
يُكمل روبير بلانشي (1898-1975)، في كتابه «العقلانية العلمية»، الخط الذي رسمه باشلار فيؤكد أن العقلانية العلمية ليست مطلقة ولا خالصة، بل هي حوار مستمر بين العقل والتجربة يخضع لمنطق المراجعة والتجديد.
ويرى بلانشي أن التحولات التي تمسّ ما يسمّيه «عدّتنا الفكرية» تأخذ صورة مراجعات تُلغي جزءاً متزايداً من القواعد المُسلَّم بها. فلا ثبات مطلق في القواعد العقلية، ولا استقلالية كاملة للعقل عن ضغط التجربة. وهذا التفاعل الديناميكي المستمر بين العقل والواقع هو ما يجعل المعرفة العلمية حيّة ومتجددة لا جامدة ولا نهائية.
هانز رايشنباخ: العقل العلمي عقل تجريبي بطبيعته
يتبنى هانز رايشنباخ (1891-1953)، أحد مؤسسي «دائرة برلين» الوضعية المنطقية، موقفاً مغايراً يُؤكد فيه أن العقل العلمي بطبيعته عقل تجريبي، وأن المعرفة العلمية لا تقوم إلا على التجربة الموثّقة والمنطق الصارم معاً.
ويُميّز رايشنباخ بين نوعين من العقلانية: العقلانية الفلسفية التأملية الخالصة — كالأفلاطونية والفيثاغورية — التي تعتمد الرياضيات دون الاستناد إلى الملاحظة، والمعرفة العلمية التي تُطبّق العقل على معطيات الملاحظة. ويرى أن التجربة هي المحك الوحيد الحقيقي للقضايا العلمية ذات المعنى، وانطلاقاً من هذا المبدأ ينتقد الميتافيزيقا بوصفها قضايا فارغة من المعنى لأنها غير قابلة للاختبار التجريبي.
ثالثاً: المناقشة
تكشف المواقف المستعرضة عن توترات حقيقية تستدعي الفحص النقدي. فموقف آينشتاين الذي يمنح العقل الرياضي الأولوية المطلقة، وإن كان صحيحاً في بيان الطابع الإبداعي للنظرية العلمية، قد يُفضي إلى انفصال النظرية عن الواقع وتحوّلها إلى بناء رياضي مغلق على نفسه. ذلك أن تاريخ العلوم يُقدّم نماذج عديدة لنظريات رياضية بالغة الأناقة أثبتت التجربة فسادها أو محدوديتها.
ومن جهة أخرى، فإن موقف رايشنباخ الذي يُحصر المعنى العلمي في ما هو قابل للاختبار التجريبي، على أهميته في صون موضوعية العلم، يُخضع العقل خضوعاً مُفرطاً لسلطة الواقع المباشر. وقد دفع هذا التصور نحو إقصاء نظريات علمية ظلت لفترات طويلة غير قابلة للاختبار المباشر، كنظرية النسبية العامة حين صيغت أول مرة، وهو ما يُضعف المعيار التجريبي المطلق.
وهنا تبرز قوة الموقف الباشلاري الذي يتجنب الحسم لصالح أحد الطرفين. فباشلار لا يُلغي دور العقل ولا دور التجربة، بل يُؤسس لعلاقة جدلية بينهما تجعل العلم قادراً على تجاوز عوائقه الإبستيمولوجية والانقطاع عن أحكامه المسبقة. غير أن النقد الذي يُوجَّه إلى باشلار هو أن تأكيده على القطيعة قد يُبالغ في وصف التقدم العلمي بالانقطاع، في حين أن جزءاً كبيراً من تراكم المعرفة العلمية يسير بالفعل بصورة تدريجية.
أما موقف بلانشي فيُقدّم نظرة ديناميكية أكثر توازناً: فالعقل العلمي ليس منظومة ثابتة، بل هو بنية قابلة للمراجعة باستمرار تحت ضغط التجريب. وهذا يُعيد الاعتبار لطابع التاريخية في المعرفة العلمية، ويُجنّبنا وهم العقلانية المطلقة والموقف التجريبي المطلق على حدّ سواء. والإشكال الذي يبقى مطروحاً هو: أيّ الطرفين — العقل أم التجربة — يمتلك الكلمة الأخيرة حين يقع التعارض بينهما؟ ويبدو أن الإجابة الفلسفية المقنعة هي أنه لا كلمة أخيرة لأحدهما دون الآخر.
رابعاً: التركيب
💡
خلاصة: يتجلى من خلال هذا المحور أن العقلانية العلمية ليست عقلانية مُغلقة على ذاتها، بل هي عقلانية مُنفتحة على التجربة ومُستعدة دوماً لمراجعة مبادئها في ضوئها. فآينشتاين يُذكّرنا بأن الإبداع النظري يسبق التجريب؛ وباشلار يُنبّهنا إلى أن العقل لا يعمل في فراغ بل في مواجهة دائمة مع الواقع، عبر قطائع تُجدّد المعرفة وتُحرّرها من عوائقها؛ وبلانشي يؤكد أن العلم يعيش من هذا الحوار الديناميكي المتجدد. إن العقلانية العلمية الحقة هي، بتعبير باشلار، «عقلانية تطبيقية»: لا عقلانية فارغة من التجربة، ولا تجريبية عمياء من العقل، بل تفاعل جدلي لا ينقطع بين المستوى النظري والمستوى التجريبي، هو وحده ما يُضمن للعلم موضوعيته وتقدمه.