المحور الثالث: الحرية والقانون
أولاً: صياغة إشكال المحور
يطرح هذا المحور إشكالية جوهرية تتعلق بطبيعة العلاقة بين الحرية والقانون: هل يمثّل القانون عائقاً أمام الحرية الإنسانية وتقييداً لها، أم أنه على العكس الضامن الحقيقي لها والشرط الذي يجعلها ممكنة؟ بعبارة أخرى، هل الحرية والقانون متعارضان بالضرورة، أم أن القانون العادل هو ما يُحوّل الحرية من مطلقة فوضوية إلى حرية مدنية مصونة؟ إن الإجابة على هذا السؤال تقتضي استحضار المواقف الفلسفية الكبرى التي اشتغلت على مفهوم العقد الاجتماعي والسلطة السياسية وحدود الحرية الفردية في الفضاء العام.
تنبثق من هذا الإشكال المركزي تساؤلات فرعية متعددة: ما طبيعة الحرية قبل القانون؟ وما الذي يدفع الإنسان إلى قبول القيد القانوني؟ وكيف يمكن التوفيق بين الحرية الفردية والنظام الجماعي دون إلغاء أيٍّ منهما؟
ثانياً: المواقف الفلسفية المؤطِّرة للمحور
توماس هوبز: القانون ضرورة وجودية في مواجهة الفطرة الشريرة
أطروحته: يرى هوبز (1588-1679) أن الإنسان في حالته الطبيعية، أي قبل قيام الدولة والقانون، يعيش في حالة حرب الكل ضد الكل، وذلك بسبب طبيعته الميالة إلى الأنانية والعدوانية. في هذه الحالة تكون الحرية مطلقة ظاهراً، لكنها تفضي إلى الخوف الدائم والخطر المستمر، إذ لا يوجد ما يكبح رغبة كل فرد في الاعتداء على الآخر.
حججه: ينطلق هوبز من التشاؤم الأنثروبولوجي؛ فغريزة حب الذات والتنافس على الموارد يجعلان الحياة في غياب السلطة «وحيدة وفقيرة ونجسة وقاسية وقصيرة». ومن ثَمَّ، يرى أن الناس يتنازلون عن حقوقهم الطبيعية كلها للسلطة السياسية مقابل الأمن والسلام، مما يبرر قيام الدولة ذات السلطة المطلقة. القانون عنده ليس تقييداً للحرية بل هو شرط بقائها.
جون لوك: القانون حماية للحقوق الطبيعية لا تنازلاً عنها
أطروحته: يخالف لوك (1632-1704) هوبز في صورة الإنسان الطبيعي، إذ يرى أن الإنسان خيّر بطبعه، وأن الحالة الطبيعية قائمة أصلاً على الحرية والمساواة. ثمة حقوق طبيعية ثلاثة سابقة لأي قانون وضعي: حق المساواة، وحق الحرية (بما فيها القدرة على فعل ما يريده الفرد شريطة عدم إيذاء نفسه أو غيره)، وحق الملكية.
حججه: يرى لوك أن العقد الاجتماعي ليس تنازلاً كاملاً عن الحرية كما ذهب هوبز، بل هو اتفاق طوعي محدود الغرض: حماية تلك الحقوق الطبيعية وصونها. يؤكد أن "الناس ولدوا متساوين، وهم أحرار حرية مطلقة للتمتع بحقوقهم الطبيعية". القانون إذن ليس بديلاً للحرية بل امتدادها وضمانها في الحياة الجماعية.
جان جاك روسو: القانون تعبير عن الإرادة العامة وشرط الحرية المدنية
أطروحته: يُطلق روسو (1712-1778) عبارته الشهيرة في مستهل «العقد الاجتماعي»:
ولد الإنسان حراً وهو في الأغلال حيثما كان.
يميّز روسو بين نوعين من الحرية: الحرية الطبيعية التي يولد بها الإنسان في حالة البراءة الأولى، والحرية المدنية التي تحلّ محلها بعد التعاقد الاجتماعي. ويرى أن التخلي الكامل عن الحرية يناقض جوهر الإنسان، لأن ماهيته الأصيلة هي الحرية ذاتها.
حججه: يُسوّغ روسو القانون بوصفه تعبيراً عن الإرادة العامة لا إرادة فرد أو فئة. العقد الاجتماعي عند روسو اتفاق واعٍ تراضٍ لا إكراه فيه، ويقول صراحةً إن «الحق لا ينبع من القوة، بل من الإرادة العامة». حين يُطيع الفرد القانون الصادر عن إرادته العامة، فهو في الحقيقة يُطيع نفسه، وهو ما يجعل الالتزام القانوني ضرباً من الحرية لا ضدها.
شارل مونتيسكيو: الحرية السياسية رهينة بالقانون والفصل بين السلطات
أطروحته: يُعرِّف مونتيسكيو (1689-1755) الحرية تعريفاً دقيقاً يُبعدها عن أي فهم فوضوي:
الحرية هي الحق في القيام بما تسمح به القوانين.
ويُضيف أن الحرية ليست «فعل ما نريد، بل فعل ما يجب أن نريد بحسب القوانين». القانون إذن ضامن للحرية لا ناسخ لها.
حججه: يرى مونتيسكيو أن الحرية السياسية لا تتحقق إلا في الأنظمة المعتدلة التي تعرف توازناً في القوى. ويُبرهن على ذلك بمبدئه الشهير في الفصل بين السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية، إذ لا يجوز أن تجتمع في يد فرد واحد أو هيئة واحدة، لأن «كل إنسان يتولى السلطة ينزع إلى إساءة استعمالها». حين تتوازن السلطات يصبح القانون ضماناً فعلياً للحرية الفردية.
إيمانويل كانط: القانون الأخلاقي والاستقلالية شرط الحرية الحقيقية
أطروحته: يذهب كانط (1724-1804) إلى أن الحرية الحقيقية ليست الإفلات من كل قانون، بل هي بالضبط طاعة القانون الذي يُشرّعه الإنسان لنفسه بعقله. يُساوي بين الحرية والأخلاق في عبارة جوهرية:
الإرادة الحرة والإرادة الخاضعة لقوانين أخلاقية هي شيء واحد.
حججه: يُؤسّس كانط مفهوم الاستقلالية (الحكم الذاتي) بوصفه جوهر الحرية الأخلاقية: الإنسان الحر هو من يُطيع قانوناً نابعاً من عقله، لا من شهواته ولا من إكراه خارجي. ويُضيف أن تحرر الإنسان من ميوله الغريزية يكمن في التزامه بالأوامر القطعية الصادرة عن العقل الأخلاقي. الواجب عنده مطلق لا يتأثر بالمصلحة ولا بالسعادة، وهو ما يُعطي الأفعال قيمتها الأخلاقية الحقيقية.
ثالثاً: مناقشة المواقف ونقدها
تتقاطع هذه المواقف في نقطة محورية واحدة: الحرية المطلقة في غياب أي قانون ليست حرية بل فوضى. بيد أنها تختلف اختلافاً جوهرياً في تصوّر طبيعة القانون وشروط شرعيته.
أولاً: يتعارض هوبز ولوك في صورة الإنسان الطبيعي. هوبز يُقيم نظرية السلطة المطلقة على تشاؤمه الأنثروبولوجي، بينما يُقيمها لوك على تفاؤله بالطبيعة الإنسانية، مما يُفضي إلى عقد اجتماعي مُقيَّد لا مُطلق.
ثانياً: يبدو موقف هوبز المُبرِّر للسلطة المطلقة متعارضاً مع إشكالية الحرية ذاتها؛ فحين تتمركز السلطة كلها في يد الحاكم تُصبح الحرية الفردية في خطر. وقد جاء مونتيسكيو ليُعالج هذه الثغرة بمبدأ الفصل بين السلطات الذي يجعل القانون عائقاً من الاستبداد لا أداة له.
ثالثاً: روسو يُقدّم الحلَّ الأكثر تناسقاً من الناحية الفلسفية حين يربط القانون بالإرادة العامة: طاعة القانون العادل هي في حقيقتها طاعة الذات الجماعية. غير أن مفهوم الإرادة العامة يظل عُرضة للتأويل الاستبدادي، إذ قد يدّعي أي حاكم أنه يُمثّل هذه الإرادة.
رابعاً: كانط يُقدّم أعمق مستوى في الإشكالية حين يُحوّل السؤال من السياسي إلى الأخلاقي: الحرية الحقيقية ليست غياب القيد الخارجي، بل هي بالتحديد الالتزام الذاتي بالقانون الأخلاقي. إلا أن نقّاده يرون في هذا الطرح مثاليةً قد تتجاهل الواقع الاجتماعي وعدم تكافؤ الأفراد.
خامساً: يُمثّل موقف مونتيسكيو مساهمة عملية بامتياز: لا يكفي أن يكون القانون عادلاً من حيث مضمونه، بل لا بد من ضمان هيكلي مؤسسي يمنع تمركز السلطة. غير أن حدّ هذا الموقف يكمن في كونه يُعالج الحرية السياسية دون أن يتطرق إلى أبعادها الأعمق كالحرية الداخلية والأخلاقية.
رابعاً: حدود المواقف وأسئلة مفتوحة
تبقى ثمة حدود مشتركة لهذه المواقف جديرة بالتأمل:
- هل كل قانون يُحقق الحرية؟ القانون الجائر يُكبّل الحرية بدلاً من صونها، مما يعني أن الشرعية القانونية لا تنفصل عن العدالة.
- من يُحدد مضمون الإرادة العامة التي تحدّث عنها روسو؟ وكيف نصون هذا المفهوم من التوظيف الاستبدادي؟
- الفصل بين السلطات عند مونتيسكيو يشترط مؤسسات راسخة ومجتمعاً مدنياً يقظاً، وهو شرط لا يتحقق في كل السياقات التاريخية والثقافية.
- الاستقلالية الكانطية تفترض إنساناً عاقلاً قادراً دوماً على تشريع القانون الأخلاقي لنفسه، وهو ما يتجاهل الضغوط الاجتماعية والنفسية التي تُقيّد هذه القدرة.
💡
خلاصة: يتضح من خلال استعراض هذه المواقف الفلسفية أن العلاقة بين الحرية والقانون ليست علاقة تعارض بل علاقة تكامل جدلي. فهوبز يرى في القانون الضامن الوحيد للأمن في مواجهة الطبيعة الأنانية، بينما يؤكد لوك أنه حماية للحقوق الطبيعية لا تنازل عنها. أما روسو فيجعل منه تعبيراً عن الإرادة العامة بحيث تصير طاعته ضرباً من طاعة الذات، ومونتيسكيو يشترط لضمانه الفصلَ بين السلطات، في حين يرفع كانط الأمر إلى مستوى الاستقلالية الأخلاقية. والموقف التوفيقي الذي يرسخه الفكر الحديث هو أن الحرية الحقيقية لا تقوم إلا حيث يُرسي القانون العادل التوازنَ بين حقوق الفرد وواجباته، ويكفل لكل إنسان التمتع بحريته دون إخلال بحرية الآخرين.