Education Islamique · 2ème année Bac — Lettres

مقاصد الشريعة الإسلامية

مقاصد الشريعة الإسلامية

أولاً: تعريف مقاصد الشريعة الإسلامية

مقاصد الشريعة الإسلامية هي الغايات والحِكم والأسرار التي وضعها الشارع الحكيم في كل حكم من أحكامه، وذلك لتحقيق غاية عليا تجمع بين عبودية الله تعالى وصون مصالح العباد في الدارين الدنيا والآخرة. وبعبارة أدق: هي المعاني والحكم التي أراد الله سبحانه تحقيقها والوصول إليها انطلاقاً من النصوص الشرعية المحكمة.
وتشمل مقاصد الشريعة ثلاثة مستويات متكاملة: المقاصد العامة الكلية التي تجمع بين جميع أبواب الشريعة وتنتظمها، والمقاصد الخاصة بكل باب تشريعي على حدة، والمقاصد الجزئية المتعلقة بالأحكام المفردة. وعلم المقاصد من أرفع العلوم الشرعية، إذ يُمكِّن الفقيه من استيعاب روح الشريعة ومن استنباط الأحكام في المسائل المستجدة على أسس راسخة.

ثانياً: أقسام مقاصد الشريعة

قسَّم العلماء، وفي مقدمتهم الإمام أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله في كتابه الموافقات، مقاصدَ الشريعة إلى ثلاثة أقسام رئيسية تتفاوت درجاتها من حيث الأهمية والأولوية:
القسم الأول: الضروريات
وهي المصالح التي لا غنى عنها لقيام الدين والدنيا على وجه الصحة والاستقامة. فإذا فُقدت اختل نظام الحياة اختلالاً كاملاً، وتعطل استقرار الناس في معاشهم ومعادهم. ولذلك جاءت الشريعة بالمحافظة عليها وحمايتها من كل عدوان.
القسم الثاني: الحاجيات
وهي المصالح التي يحتاج إليها الناس لرفع الحرج والمشقة عنهم في معاملاتهم وعباداتهم. وعند فقدانها يحصل ضيق وعنت ومشقة في الحياة، غير أنه لا يختل أصل النظام كما في الضروريات. ومن أمثلتها رُخَص السفر في الصلاة والصيام، وتنوع العقود في المعاملات، وحق العفو عن القصاص. والحاجيات مكملة للضروريات تزيل عن الناس الحرج والضيق.
القسم الثالث: التحسينيات
وهي المصالح التي تحسِّن الحياة وترقيها بالآداب والقيم ومكارم الأخلاق. ولا يختل بفقدانها النظامُ الأساسي، غير أن العقول السليمة والفطر المستقيمة تأبى غيابها. ومن أمثلتها: الطهارة وستر العورة في العبادة، وآداب الأكل والشرب، والرفق والإحسان في المعاملات. والتحسينيات مكملة للحاجيات وتزيد الأفعال حسناً وكمالاً.

ثالثاً: الضروريات الخمس وأدلتها الشرعية

حدَّد العلماء الضروريات الخمس التي لا غنى عنها لحفظ مصالح الناس في الدنيا والآخرة، وهي:

1. حفظ الدين

الدين هو الأساس الأول والأعظم في مقاصد الشريعة، إذ عليه تقوم سائر الضروريات. ويتحقق حفظه بإقامة شعائر العبادة، والدعوة إلى الله، وتحكيم الشرع، وتحريم كل ما يطعن في أصول الدين من شرك وإلحاد. قال الله تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56)
﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران: 19)

2. حفظ النفس

يقتضي هذا المقصد حماية الحياة الإنسانية من كل ما يؤدي إلى الأذى والهلاك. ويتحقق بتشريع القصاص والدية، وتحريم القتل، وإقامة العقوبات الرادعة. قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (النساء: 29)
﴿وَلَكُم فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (البقرة: 179)
﴿مِن أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة: 32)

3. حفظ العقل

العقل أداة التكليف والفهم، ولذلك جاءت الشريعة بصون القدرة العقلية وتنميتها بالعلم والتفكر، وحمايتها من كل ما يُضعفها أو يُعطلها كالمسكرات والمخدرات. قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ (المائدة: 90)
وقد حثَّ النبي صلى الله عليه وسلم على طلب العلم لتنمية العقل وتوظيفه في خدمة الدين، فقال عليه الصلاة والسلام:
«مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (صحيح البخاري ومسلم، عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه)

4. حفظ النسل (العرض)

يستهدف هذا المقصد حماية العرض والأنساب وكيان الأسرة، ويتحقق بتشريع الزواج الشرعي ومنع الزنا وسد كل ذريعة تؤدي إليه، وتغليظ العقوبات في هذا الشأن. قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۚ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: 32)
﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ (الفرقان: 68)

5. حفظ المال

يرمي هذا المقصد إلى صيانة الأموال من التلف والضياع والاعتداء عليها بغير حق، ويتحقق بتحريم السرقة والربا والغش والأكل بالباطل، وتشريع العقوبات الزاجرة. قال الله تعالى:
﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ﴾ (المائدة: 38)
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ (النساء: 29)

رابعاً: الأدلة الشرعية الكبرى على مقاصد الشريعة

إلى جانب الآيات الكريمة المتعلقة بكل ضرورة على حدة، تُرسي جملة من الأحاديث النبوية الصحيحة مبدأ المقاصد في مجمله:
حديث اليسر ورفع الحرج — وهو مقصد كلي ينتظم كامل الشريعة:
«إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ» (صحيح البخاري ومسلم)
حديث التيسير في التطبيق:
«يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا» (صحيح البخاري، عن عائشة رضي الله عنها)
حديث نفي الضرر — وهو قاعدة مقاصدية كبرى:
«لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (سنن ابن ماجه، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، وحسَّنه الألباني)
وقد ذكر الله مقصد اليسر ورفع الحرج صريحاً في القرآن الكريم:
﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (البقرة: 185)

خامساً: تطبيقات عملية لمقاصد الشريعة

يتجلى أثر المقاصد واضحاً في التشريعات الفقهية على اختلاف أبوابها. ومن أبرز هذه التطبيقات:
من تطبيقات الضروريات:
  • تحريم الشرك والإلحاد وإقامة حد الردة: حفظاً للدين.
  • تشريع القصاص وتحريم القتل العمد العدوان: حفظاً للنفس.
  • تحريم الخمر والمسكرات والمخدرات: حفظاً للعقل.
  • تحريم الزنا وسائر مقدماته وتشريع عقوبة الحد: حفظاً للنسل والعرض.
  • تحريم السرقة والربا والغش وإقامة الحدود: حفظاً للمال.
من تطبيقات الحاجيات:
  • الرخصة بالإفطار للمسافر والمريض في رمضان.
  • جواز التيمم عند فقد الماء أو تعذر استعماله.
  • إباحة الصلاة قاعداً أو مضطجعاً للعاجز عن القيام.
  • تشريع عقود البيع والإجارة والمضاربة لتنظيم المعاملات.
من تطبيقات التحسينيات:
  • استحباب الطهارة وستر العورة وتحسين الهيئة في العبادة.
  • التزام آداب الأكل والشرب والسلوك العام.
  • الرفق والإحسان في التعامل مع الآخرين.

سادساً: القواعد الكبرى في مقاصد الشريعة

استنبط العلماء من مجموع النصوص والأحكام الشرعية جملةً من القواعد المقاصدية الكبرى التي تضبط التعامل مع المسائل الفقهية وترتيب الأولويات:
  1. الضرورات تبيح المحظورات: عند الحاجة القصوى يُباح المحرم بقدر ما تندفع الضرورة، كإباحة كشف العورة للضرورة الطبية حفظاً للنفس.
  1. الضرورة تُقدَّر بقدرها: لا يُتجاوز الحد الضروري عند التعامل مع الاستثناءات.
  1. ترتيب المقاصد عند التعارض: يُقدَّم الضروري على الحاجي، والحاجي على التحسيني.
  1. المقاصد الخمس متكاملة لا متعارضة: كل ضرورة تسند الأخرى، وحفظ الدين لا يكتمل إلا بحفظ النفس والعقل والنسل والمال.
  1. قاعدة المصلحة والمفسدة: كل ما يحفظ الضروريات الخمس فهو مصلحة معتبرة، وكل ما يُفوِّت هذه الأصول أو يُخلُّ بها فهو مفسدة يجب درؤها.

سابعاً: وظائف مقاصد الشريعة

تؤدي مقاصد الشريعة أدواراً محورية في الفقه الإسلامي تجعل منها علماً لا غنى عنه للفقيه والمجتهد:
  • الوظيفة البيانية: معرفة المقاصد تُنير فهم الأحكام وتضعها في سياقها الصحيح، فلا يُعامَل الحكم كأمر تعبدي مجرد دون إدراك الحكمة منه.
  • الوظيفة التشريعية: تمكِّن المجتهدَ من استنباط الأحكام في المسائل المستجدة التي لم يرد فيها نص صريح، بالاستناد إلى المقاصد الكلية للشريعة.
  • الوظيفة الحقوقية: تضمن المقاصد صون حقوق الأفراد والمجتمع وحمايتها من أي تعدٍّ أو ظلم.
  • الوظيفة المصلحية: تُوجِّه التشريع نحو تحقيق مصالح العباد في الدنيا والآخرة، ودرء المفاسد والأضرار عنهم.

ثامناً: القيم المستمدة من مقاصد الشريعة

يُثمر الاستحضار الحقيقي لمقاصد الشريعة منظومةً من القيم الراسخة التي تُشكِّل الشخصية المسلمة وترسم أفق تعاملها مع الحياة:
العدل: قال الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (النحل: 90)
فالعدل أساس المقاصد كلها، وكل مسألة تحقق العدل بين الناس تحقق مقاصد الشريعة تحقيقاً حقيقياً.
الرحمة والرفق: قال الله تعالى:
﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (الأعراف: 156)
تتجلى الرحمة في التيسير على المكلفين ورفع الحرج والمشقة عنهم بشتى الوسائل التشريعية.
المساواة: الشريعة تساوي بين جميع الناس في الحقوق والواجبات بصرف النظر عن الجنس أو اللون أو الجنسية، وهذه المساواة مستمدة من وحدة الغاية في حفظ الضروريات لكل إنسان.

خلاصة الدرس

💡
خلاصة: مقاصد الشريعة الإسلامية هي الروح الجامعة للتشريع الإسلامي، وتنقسم إلى ضروريات وحاجيات وتحسينيات. والضروريات الخمس — حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال — هي عماد كل تشريع وأساس كل حكم. والشريعة قائمة على التيسير ورفع الحرج وتحقيق مصالح العباد في الدنيا والآخرة، وفق قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، وقوله صلى الله عليه وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ». إن استيعاب مقاصد الشريعة يُمكِّن الفقيه من حسن التعامل مع النوازل المستجدة، ويُقوِّي ارتباط المسلم بدينه من خلال إدراك الحكمة العميقة الكامنة وراء الأحكام.