المحور الأول: الواجب والإكراه
أولاً: إشكال المحور
يطرح هذا المحور سؤالاً فلسفياً جوهرياً يمسّ صميم الفعل الأخلاقي الإنساني: هل الواجب فعل يصدر عن إرادة حرة واعية، أم أنه في حقيقته ضرب من الإكراه تفرضه قوة خارجية عن الذات؟ وبعبارة أكثر دقةً: هل بين الواجب والحرية تلازم أم تناقض؟
تكتسب هذه الإشكالية أهميةً بالغة لأن الإجابة عنها تحدد طبيعة الفعل الأخلاقي برمته؛ فإن كان الواجب إكراهاً خارجياً، غدا مجرد امتثال قسري لا يختلف في جوهره عن الطاعة الآلية. وإن كان التزاماً حراً، صار تعبيراً عن سمو الإنسان وكرامته العقلية والأخلاقية. ومن هنا تتجلى المفارقة التي تشغل هذا المحور: لفظ الواجب يحيل في اللغة على الإلزام والضرورة، غير أن أعمق المواقف الفلسفية تصرّ على أنه لا يكون واجباً أخلاقياً حقيقياً إلا حين يصدر عن ذات حرة.
ثانياً: المواقف الفلسفية
الموقف الأول: إيمانويل كانط — الواجب التزام عقلي حر
يذهب الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (1724-1804) في مؤلفيه "نقد العقل العملي" و"أساس ميتافيزيقا الأخلاق" إلى أن الواجب ليس إكراهاً خارجياً يُفرض على الإنسان من خارج ذاته، بل هو التزام يصدر عن العقل العملي الذي هو جزء أصيل من طبيعة الإنسان الحرة.
يرتكز كانط في بناء موقفه على جملة من الحجج المترابطة. أولاها أن الإرادة الخيرة الحرة هي الشيء الوحيد الذي يُعدّ خيراً بغير قيد أو شرط، إذ لا قيمة لأي فعل إلا إذا كان مصدره احترام القانون الأخلاقي لا خوفاً من عقاب أو طمعاً في منفعة. وثانيتها أنه يُميّز تمييزاً حاسماً بين "القانونية" أي الامتثال الخارجي للقانون، و"الأخلاقية" أي الالتزام الداخلي الحر، فلا يعدّ الفعل أخلاقياً إلا إذا انتمى إلى الصنف الثاني.
ولتحديد مضمون هذا الالتزام العقلي، صاغ كانط ما يُعرف بالأمر القطعي في صيغتين رئيسيتين موثقتين: الصيغة الأولى تقوم على مبدأ التعميم، مفادها أن على المرء أن يتصرف وفقاً للمبدأ الذي يمكنه في الوقت ذاته أن يشاء له أن يصبح قانوناً كونياً عاماً. والصيغة الثانية تقوم على الاحترام الإنساني، إذ تقضي بأن تُعامَل الإنسانية في شخص كل إنسان دائماً بوصفها غاية في ذاتها لا مجرد وسيلة. ويخلص كانط إلى أن الواجب يجمع بين الإكراه والحرية في آن واحد: إكراه بمعنى أن العقل يطلبه، وحرية بمعنى أنه يصدر عن الإرادة الذاتية لا عن ضغط خارجي، فالإنسان لا يكون مُلزَماً إلا طبقاً لإرادته الخاصة.
الموقف الثاني: جون ماري غويو — الواجب فيض حياة لا إكراه
يقدم الفيلسوف الفرنسي جون ماري غويو (1854-1888) في كتابه "مسألة الأخلاق المعاصرة" تصوراً مغايراً يجعل الواجب تجليّاً لقدرة الحياة لا ضرباً من ضروب الإلزام القسري.
يستند غويو إلى صورة طبيعية دالة: كل قوة متجمعة تحدث ضغطاً على الحواجز الموضوعة أمامها، وكل قدرة تنتج واجباً يتناسب معها. فالواجب عنده مؤسس على الفاعلية الطبيعية للحياة ذاتها، لا على أمر عقلي مجرد ولا على ضغط اجتماعي. والفعل الأخلاقي لا يصدر عن إلزام أو خوف، بل عن شعور عفوي طبيعي بالقدرة على العطاء والبذل. ويترتب على ذلك أن الواجب نسبي يتفاوت بتفاوت طاقات الأفراد وقدراتهم الحيوية، وأن الأخلاق ترتد في نهاية المطاف إلى القانون الطبيعي الشامل لا إلى إلزام فارق من الخارج.
الموقف الثالث: ديفيد هيوم — الواجب إلزام اجتماعي قائم على المصلحة
يتبنى الفيلسوف الاسكتلندي التجريبي ديفيد هيوم (1711-1776) موقفاً مخالفاً للطرحين السابقين، إذ يرفض ردّ الواجب إلى العقل المجرد أو إلى طاقة الحياة الداخلية، ويُرجعه إلى المصلحة والبنية الاجتماعية.
يُميّز هيوم بين صنفين من الواجبات: واجبات طبيعية غريزية تصدر عن ميول طبيعية كالعطف على المحتاجين والعناية بالأطفال، دون أن تستلزم إلزاماً حقيقياً؛ وواجبات إلزامية اجتماعية تتمثل في التشريعات والقوانين التي يضعها المجتمع لكبح الغرائز ومنع الفوضى. ويرى أنه لا قيمة لواجب خالٍ من الرغبة في تحقيقه، وأن المرجع الأخير في الحكم الأخلاقي هو العلاقات الاجتماعية والمصالح الذاتية والجماعية، لا العقل الخالص الذي يظل عنده عاجزاً عن توجيه الإرادة بمفرده.
الموقف الرابع: إميل دوركايم — الواجب إلزام اجتماعي مقترن بالرغبة
يُقدّم عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم (1858-1917)، مؤسس علم الاجتماع الحديث، تصوراً يربط الواجب ربطاً عضوياً بالمجتمع باعتباره كائناً معنوياً يتجاوز الأفراد ويمارس عليهم سلطة أخلاقية حقيقية.
يرى دوركايم أن الواجب يجمع خاصيتين لا تنفصلان: الإلزام القسري الذي يفرضه المجتمع، والرغبة في الفعل التي تجعله مقبولاً ومستساغاً. فالفرد لا يستطيع القيام بفعل بناءً على الإكراه وحده دون رغبة داخلية. وعلى هذا الأساس يؤكد أن الضمير الأخلاقي الفردي ليس سوى انعكاس للضمير الجمعي الاجتماعي، وأن صوت المجتمع المتسرب إلى الذوات هو ما يُنتج الشعور بالذنب حين يُخالَف الواجب.
ثالثاً: مناقشة
تتقاطع هذه المواقف وتتعارض في نقاط عدة تستحق الوقوف عندها بالتأمل النقدي. يتشارك كانط وغويو في رفض ردّ الواجب إلى قوة قسرية خارج الذات، غير أنهما يختلفان في الأساس الذي يُبنى عليه: فكانط يُرسّخه في العقل المجرد وصورية القانون الأخلاقي، بينما يُرسّخه غويو في الحيوية الطبيعية والطاقة الإنسانية الخلاقة. وهيوم ودوركايم يتقاطعان في إرجاع الواجب إلى السياق الاجتماعي والمصلحي، لكن دوركايم يذهب أبعد بربطه بالبنية الاجتماعية الشاملة لا بالمصلحة الفردية وحدها.
والموقف الكانطي، على رغم عمقه وصرامته المنطقية، يستوجب مساءلة: كيف يتشكل العقل ذاته خارج السياق الاجتماعي والتاريخي؟ ألا يحمل العقل العملي في طياته آثار التنشئة والثقافة؟ هذا ما يغفله كانط حين يُجرّد العقل من شروط وجوده الفعلية.
وموقف دوركايم بدوره يواجه اعتراضاً جوهرياً: إذا كان الواجب مجرد انعكاس للضمير الجمعي، فكيف نفسر الاعتراض الأخلاقي الذي يُبديه الأفراد أحياناً في مواجهة المجتمع؟ وكيف نُسوّغ تلك اللحظات التاريخية التي قاوم فيها أفراد قوانين مجتمعاتهم لأن ضمائرهم رفضتها؟ يؤدي منطق دوركايم إلى نسبية أخلاقية تجعل الواجب رهين الانتماء المجتمعي وتعجز عن تأسيس قيم إنسانية مشتركة.
أما غويو فيُثير إشكالاً من نوع آخر: هل يكفي تفاوت الطاقات الحيوية الفردية لتحديد الواجبات؟ أليس في ذلك إفلات من الصرامة الأخلاقية التي تجعل الواجب واجباً حتى حين يكون عسيراً؟ ويبقى السؤال مفتوحاً: هل تُغني الفاعلية الطبيعية وحدها عن مبدأ أخلاقي مُلزم يُوحّد الأحكام ويُعيّن الحدود؟
ومع ذلك يظل كل موقف يكشف عن وجه حقيقي من وجوه الواجب: فللإلزام الاجتماعي حضوره الذي لا يُنكر في تشكيل الوعي الأخلاقي الفعلي، وللعقل دوره في الارتفاع بالواجب فوق الميول الذاتية، وللحيوية الطبيعية نصيبها في تغذية الدوافع نحو الفعل الخيّر.
💡
خلاصة: يتجلى من مجموع هذه المواقف أن العلاقة بين الواجب والإكراه علاقة متوترة لا تنحل بحسم مطلق في اتجاه واحد. يصرّ كانط وغويو على أن الواجب الأخلاقي الحقيقي لا يكون إلا بقدر ما يصدر عن إرادة حرة — سواء أكانت عقلية مجردة عند كانط أم حيوية طبيعية عند غويو. في المقابل، يكشف هيوم ودوركايم أن الواجب في صورته الفعلية المعاشة لا ينفصل عن البنية الاجتماعية والمصلحية التي تُغذيه وتُشكّله. والتوليف الأوفى هو الذي يعترف بأن الواجب الأخلاقي يجمع بين الإلزام والالتزام معاً: إلزام يمنحه صرامته وكونيته، والتزام يمنحه قيمته الأخلاقية الحرة. فالإنسان لا يرتفع إلى مرتبة الفاعلية الأخلاقية إلا حين يُحوّل الإلزام الخارجي إلى التزام داخلي نابع من إرادة واعية ومسؤولة.