مفهوم المسألة العلمية في العلوم الإنسانية — مدخل إشكالي
أولاً: دلالات المفهوم لغةً واصطلاحاً
تحمل كلمة «مسألة» في أصلها اللغوي معنى ما يُطلب حلّه أو الإجابة عنه؛ وهي في السياق الفلسفي تشير إلى قضية أو إشكالية تستدعي نقاشاً ومساءلة عقلية. أما صفة «العلمية» فتحيل على جملة من المعايير التي يُشترط توافرها في المعرفة الحقيقية: الموضوعية، والمنهجية، والقابلية للتحقق والدحض، والقدرة على التفسير والتنبؤ. أما «العلوم الإنسانية» فتضم ذلك الحقل المعرفي الذي يتخذ من الإنسان ومن الظواهر الاجتماعية والنفسية والتاريخية موضوعاً له، كعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا وعلم النفس وغيرها.
اصطلاحاً، تنصبّ المسألة العلمية في العلوم الإنسانية على التساؤل حول مدى قدرة هذه المعارف على استيفاء معايير العلمية التي تطبّقها العلوم الطبيعية، وتمييزها عن المعارف الفلسفية أو الأيديولوجية. إنها مسألة إبستمولوجية في جوهرها: هل يمكن دراسة الإنسان بالأدوات المنهجية ذاتها التي تُدرس بها الظواهر الطبيعية؟ وهل تنتج هذه الدراسة معرفة موضوعية حقيقية؟
ثانياً: تأطير المفهوم ضمن مجزوءة المعرفة
تندرج هذه المسألة في صميم مجزوءة المعرفة التي تتساءل عن شروط إنتاج المعرفة وآليات تأسيسها وحدودها. فالعلوم الإنسانية وُلدت، منذ نشأتها، محمّلةً بأزمتها المنهجية الأصلية: إذ يجد الباحث نفسه في وضع بالغ التعقيد، لأنه ينتمي إلى الجنس البشري ذاته الذي يجعله موضوعاً للدراسة. بهذا المعنى، تطرح العلوم الإنسانية سؤالاً لا تطرحه العلوم الطبيعية: سؤال الذات التي تدرس نفسها.
هذا الوضع الفريد يضع العلوم الإنسانية في مفترق طرق حضاري ومعرفي: فهي من جهة تطمح إلى بلوغ مستوى العلمية الصارمة، ومن جهة ثانية تصطدم بخصوصية موضوعها الذي يمتاز بالوعي والإرادة والقصدية والمعنى. من هنا تنشأ جملة من الإشكاليات الفلسفية العميقة التي تشكّل محاور هذا المفهوم ومداخل دراسته.
ثالثاً: الإشكاليات الأساسية التي يطرحها المفهوم
ينفتح مفهوم المسألة العلمية في العلوم الإنسانية على طيف واسع من التساؤلات المتشعّبة التي يمكن صياغتها على النحو الآتي:
- هل يمكن للباحث في العلوم الإنسانية أن يحقق الموضوعية العلمية، وهو جزء لا يتجزأ من المجتمع الذي يدرسه؟ أم أن التداخل بين الذات الدارسة والموضوع المدروس يجعل الحياد العلمي المطلق ضرباً من المستحيل؟
- هل تعتمد العلوم الإنسانية منهج التفسير الذي يكشف العلاقات السببية كما في العلوم الطبيعية، أم أنها تحتاج إلى منهج الفهم والتأويل الذي يسعى إلى استجلاء المعاني والمقاصد الكامنة وراء الأفعال الإنسانية؟
- هل يمكن موضعة الظاهرة الإنسانية، أي دراستها كموضوع خارجي على غرار الظواهر الطبيعية، أم أن خصوصيتها تستلزم مناهج مغايرة تُقرّ بحضور الوعي والقيمة والحرية؟
- هل يمكن صياغة قوانين كلية وثابتة تحكم السلوك الإنساني يُعتمد عليها في التنبؤ، كما يجري في الفيزياء والكيمياء؟ أم أن تعقيد الإنسان وتغيّره يجعل هذه القوانين محل شك؟
- هل تستطيع العلوم الإنسانية الوفاء بمعيار قابلية الدحض الذي يضعه بعض الفلاسفة شرطاً للعلمية الحقيقية؟ وما موقعها على السلّم المعرفي إن عجزت عن ذلك؟
- هل الاختلاف بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية اختلاف في الدرجة فحسب، أي أن الثانية أقل دقةً وتقدماً لكنها تسلك الطريق ذاتها، أم أنه اختلاف في الطبيعة والجوهر يقتضي مساراً معرفياً مختلفاً بالكلية؟
رابعاً: تداخل الذات بالموضوع — الإشكالية المحورية
تتصدّر مسألةَ الذاتية والموضوعية قائمةَ الإشكاليات التي تواجه العلوم الإنسانية، لأنها تمسّ الشرط الأول لكل معرفة علمية. فحين يدرس عالم الاجتماع المجتمعَ الذي ينتمي إليه، أو حين يحلّل عالم النفس سلوكاً بشرياً هو نفسه معرّض له، فإن المسافة العلمية بين الملاحِظ والملاحَظ تبدو هشّة. وقد عبّر عن هذه الفكرة بوضوح الفيلسوف جان بياجيه حين لفت الانتباه إلى أن الباحث في العلوم الإنسانية يقع في وضع مفارق: «يدرس الإنسان وهو نفسه إنسان»، مما يجعل الملاحظة عرضة لأن تُحدث تغييراً في الظاهرة المدروسة ذاتها، فضلاً عن تأثير الأحكام القبلية والقيم الشخصية التي يحملها كل باحث.
في المقابل، ذهب إميل دوركايم إلى أن الظواهر الاجتماعية تمتلك طابعاً موضوعياً قابلاً للدراسة، إذ عرّف الحقائق الاجتماعية بوصفها «طرقاً للسلوك والتفكير والشعور خارجة عن الفرد ولها قوة تأثير تفرض نفسها عليه». وقد اتخذ من دراسة الانتحار مثلاً على إمكانية تفسير سلوك يبدو في غاية الفردية بعوامل اجتماعية موضوعية قابلة للقياس والإحصاء.
خامساً: التفسير أم الفهم؟ — الجدل المنهجي الكبير
يُعدّ الجدل بين التفسير والفهم من أعمق الجدالات التي خاضها الفلاسفة حول منهج العلوم الإنسانية. فالتفسير يسعى إلى كشف العلاقات السببية الثابتة بين الظواهر ويتساءل عن «كيف» يحدث الشيء؛ أما الفهم فيتوجه نحو الدلالات والمقاصد والنوايا ويتساءل عن «ماذا يعني» هذا السلوك في سياقه الإنساني.
«إننا نفسّر الطبيعة، ونفهم الظواهر الإنسانية.» — فيلهلم ديلتاي
صاغ فيلهلم ديلتاي بهذه العبارة المقتضبة تمييزاً جوهرياً بين مسلكين معرفيين: فالعلوم الطبيعية تنصبّ على الطبيعة الخارجية وتلتزم بالموضوعية الصارمة، في حين تنصبّ العلوم الإنسانية على الذات الإنسانية الحية بما تنطوي عليه من قيم وغايات وتجارب، مما يجعل أداة الفهم والتأويل أنسب لها من أداة التفسير الميكانيكي.
غير أن ماكس فيبر سعى إلى مقاربة توليفية إذ ركّز على مفهوم «الفهم التأويلي» للفعل الاجتماعي، مؤكداً أن كل فعل اجتماعي يحمل معنىً يقصده الفاعل ويسعى إلى تحقيقه. ودعا فيبر إلى ما سمّاه «الحياد القيمي» الذي لا يعني غياب القيم كلياً، بل يعني الفصل المنهجي بين ما يوجّه أسئلة الباحث وبين ما تُقرّره الحقائق الموضوعية.
سادساً: هل يمكن محاكاة النموذج التجريبي؟
طرح الجدلُ حول نموذجية العلوم التجريبية سؤالاً عملياً حاداً: هل يمكن تطبيق خصائص البحث التجريبي — الملاحظة الموضوعية والتجريب المتحكّم فيه والقياس الكمي واستخراج القوانين الكلية والتنبؤ — على الظواهر الإنسانية؟ يرى الوضعيون، ومنهم أوغست كونت ودوركايم، أن الاختلاف بين العلمين اختلاف في الدرجة لا في الجوهر، وأن العلوم الإنسانية مدعوة إلى انتهاج المنهج التجريبي ذاته.
في المقابل، يرى ماكس فيبر أن العلوم الإنسانية «مستقلة وناضجة بذاتها ولا تحتاج إلى محاكاة النموذج الطبيعي»، كما أشار كارل بوبر إلى أن معيار العلمية يقوم على قابلية الدحض، مما يضع العلوم الإنسانية في موضع أقل يقيناً مقارنةً بالعلوم الدقيقة. ودفع كلود ليفي شتراوس بأن هذه العلوم تقف في منتصف الطريق، تقدّم ما وصفه بـ«حكمة وسيطة بين المعرفة الخالصة والنافعة»، لا تفسّر تفسيراً نهائياً ولا تتنبأ بيقين تام.
سابعاً: مقترحات للتجاوز — نحو عقلانية مناسبة
أمام حدّة الثنائيات وتعقيد الإشكاليات، برزت مقترحات فلسفية تسعى إلى تجاوز الانتقاء القسري بين قطبين متعارضين. فقد دعا جان لادريير إلى تطوير «عقلانية مناسبة» للعلوم الإنسانية، تجمع بين الدقة المنهجية التي تستلهمها من العلوم الطبيعية والاعتراف بالمعنى والقيم والقصدية الذي تستمده من التقليد الهرمينوطيقي، مع توظيف أدوات كمية وكيفية في آن. وفي السياق ذاته، طالب إدغار موران بنهج معرفي يستوعب تعقيد الظاهرة الإنسانية من أبعادها البيولوجية والنفسية والاجتماعية والثقافية دفعةً واحدة، رافضاً أي اختزال أحادي البعد.
أما ميشال فوكو فقد نبّه إلى أن العلوم الإنسانية «تقع في نقطة التجاور» بين تخصصات متعددة كالاقتصاد والأحياء واللغة، مما يجعل موضعتها الكاملة أمراً عسيراً بطبيعة الحال. وقد أضاف جون ستيوارت ميل من جهته بناءً منطقياً يرمي إلى ضبط البحث في العلوم الإنسانية عبر طرائق الاستقراء والمقارنة، مع الإقرار بأن هذه الطرائق تستند في نهاية المطاف إلى مبادئ ميتافيزيقية كالسببية وتوحّد الطبيعة.
💡
خلاصة: تطرح المسألة العلمية في العلوم الإنسانية سؤالاً فلسفياً مزدوجاً: سؤال الإمكانية (هل يمكن بلوغ الموضوعية؟) وسؤال الكيفية (كيف يمكن ذلك مع احترام خصوصية الموضوع الإنساني؟). فهذه العلوم تواجه تحدياً مزدوجاً: التداخل بين الذات العارفة والموضوع المدروس من جهة، والخصوصية الأنطولوجية للظاهرة الإنسانية من جهة ثانية. أمام هذا التحدي تتشعّب الإشكاليات: موضعة الظاهرة الإنسانية، والجدل بين التفسير والفهم، وإمكانية محاكاة النموذج التجريبي، وتحقيق الحياد القيمي. والحل ليس في الاختيار القسري بين قطبين متعارضين، بل في بناء عقلانية مناسبة تُقرّ بأن العلوم الإنسانية ليست أقل علمية، بل هي «علمية مختلفة» تستلزم معايير وأدوات تأخذ بعين الاعتبار ما يميّز الإنسان عن سائر ظواهر الطبيعة.