المحور الأول: الشخص والهوية — صياغة الإشكال
يطرح مفهوم الشخص في علاقته بالهوية إشكالاً فلسفياً جوهرياً يتمحور حول سؤال محوري: على ماذا تتأسس هوية الشخص؟ وما الذي يجعله هو نفسه رغم التحولات الجسدية والنفسية التي تطرأ عليه عبر مسار الزمن؟ بعبارة أوضح: هل الهوية مستمدة من العقل والفكر، أم من الشعور والذاكرة، أم من الإرادة وإرادة الحياة، أم أنها ليست سوى وهم ينهار أمام تيار الإحساسات المتعاقبة؟ إن الإجابة عن هذه التساؤلات تستلزم استعراض أبرز المواقف الفلسفية التي تناولت المسألة، وتمحيصها ومقارنتها.
المواقف الفلسفية المؤطِّرة للمحور
أولاً — رينيه ديكارت: الفكر أساس الهوية
يُقرّ ديكارت بأن الإنسان في جوهره جوهر مفكر. فالجسد في نظره ليس أكثر من آلة قابلة للتبدل والفساد، أما الهوية الحقيقية فتقوم على النفس المفكرة وحدها. ويكشف عن ذلك قوله الشهير:
أنا أفكر إذاً أنا موجود.
فالوعي بالذات لا ينعقد عند ديكارت إلا من خلال فعل التفكير العقلي المنهجي؛ وكل ما عدا ذلك عرَض زائل. ويستتبع هذا الموقف أن الشخص لا يصير شخصاً حقيقياً إلا حين يستخدم عقله استخداماً مستقلاً ومنهجياً، بمعزل عن ضغوط الحواس وشهادة الجسد.
ثانياً — جون لوك: الشعور والذاكرة أساس الهوية
يعترض لوك على إقصاء الجانب التجريبي، فيُسند هوية الشخص إلى الوعي المستمر المقترن بالذاكرة. وهو يرى أن التجربة الحسية والشعور الداخلي هما اللذان يمدّان الهوية بمادتها:
الوعي يرافق الفكر باستمرار وهذا ما يجعل كل واحد منا يطلق على ذاته اسم الأنا.
ويُضيف لوك أن كلما امتدّ الوعي في الذاكرة اتسعت هوية الشخص. فالذاكرة هي الجسر الذي يصل الماضي بالحاضر، ويحافظ على وحدة الأنا وتماسكها. ما يعنيه ذلك أن الشخص يبقى هو نفسه بفضل استمرارية شعوره واتصال انفعالاته واستجاباته الحسية، لا بمجرد التفكير المجرد.
ثالثاً — أرثور شوبنهاور: الإرادة جوهر الهوية الثابتة
يرفض شوبنهاور التأسيس على الجسد، لأن الجسم يتجدد في بضعة أعوام، ويرفض كذلك الصورة الجسدية، لأنها تتغير تدريجياً. ويرفض الاقتصار على الذاكرة، لأنها معرضة للنسيان والتلف. ويدّعي أن الثابت الحقيقي الذي يسكن وراء هذه التحولات كلها هو الإرادة — إرادة الحياة. هذه الإرادة اندفاع أعمى نحو الحياة يتجاوز الوعي الفردي والعقل، وهي التي تشكل جوهر الهوية وضامن ثباتها عبر الزمن، بينما كل ما سواها عارض متقلب.
رابعاً — جول لاشوليي: الوحدة النفسية والترابط بين الذكريات
يذهب لاشوليي إلى أن هوية الشخص تقوم على آليتين نفسيتين متكاملتين: الأولى هي دوام المزاج أو الطبع الثابت للشخص، والثانية هي ترابط الذكريات وتماسكها. فالوحدة النفسية للشخص لا تستمد من العقل وحده ولا من الإرادة وحدها، بل من استمرارية نفسية هادئة تنسج خيوطها في الخفاء بين تجربة وأخرى، وتُبقي على تواصل منطقي بين ما عاشه الشخص في الماضي وما يعيشه في الحاضر.
خامساً — سيغموند فرويد: اللاوعي والنزعات الغريزية محدِّدات الهوية
يكسر فرويد الإجماع حول الوعي بوصفه المحدد الأول للهوية، إذ يؤكد أن جانباً واسعاً من العمليات النفسية التي تصوغ سلوكنا وتُشكّل ذواتنا يجري خارج نطاق الوعي الواضح. فالرغبات المكبوتة والنزعات الغريزية والعلاقات الأسرية المبكرة وعلاقة التنشئة الاجتماعية — كل ذلك يؤثر بعمق في تشكيل الهوية. وقد أطلق فرويد على هذا الجانب المظلم اسم "الهو"، مشيراً إلى تبعثر الذات وتمزقها بدلاً من تلك الوحدة المتماسكة التي يدّعيها الوعي.
سادساً — دافيد هيوم: الهوية وهم وليست وحدة ثابتة
يتخذ هيوم موقفاً أشد تشككاً؛ فهو يرى أن الوعي لا يُشكّل وحدة متماسكة بل يتجزأ إلى مختلف العمليات الصادرة عن الإدراكات الحسية المتعاقبة. وما نسميه «أنا» عنده ما هو إلا حزمة من الإحساسات والانطباعات التي تتلاحق في تدفق مستمر دون أن يكون ثمة كيان ثابت وراءها. بمعنى أن الهوية الشخصية ليست وحدة موضوعية حقيقية بل هي بناء افتراضي يُعلقه الذهن على تيار متقطع من الإحساسات.
المناقشة — مقارنة المواقف وبيان حدودها
تكشف مقارنة هذه المواقف عن تنافس عميق بين مرجعيات مختلفة في تفسير هوية الشخص. فمن جهة، يتقاطع ديكارت ولوك في الإقرار بمحورية الوعي، غير أن الأول يُخلص الوعي من كل تجربة حسية ويردّه إلى فعل التفكير المجرد، بينما يُصرّ الثاني على أن الوعي لا يحيا وحده خارج الشعور والذاكرة والتجربة الحية.
ومن جهة أخرى، يختار شوبنهاور ولاشوليي مسرباً مختلفاً: فبدلاً من الوعي، يستثمران الإرادة والطبع النفسي بوصفهما الثابت الحقيقي. وتتجلى قوة هذا الموقف في إجابته عن إشكالية التغيُّر؛ فالجسد يتبدل والذاكرة تنخرم، لكن الإرادة تظل ثابتة. إلا أن نقطة ضعفه تكمن في إغفال الدور الذي يؤديه الوعي الفعلي في التعرف إلى الذات.
أما فرويد وهيوم، فيمثلان موجة النقد الجذري: الأول يكشف أن هناك هوية لا واعية نابعة من الغرائز والمكبوتات، والثاني ينفي وجود هوية ثابتة أصلاً. وإذا كانت رؤية فرويد تفتح آفاقاً جديدة لفهم تناقضات الذات، فإن موقف هيوم قد يُفضي إلى عدمية لا تُسعف في تفسير الشعور اليومي بالتواصل مع أنفسنا ومع الآخرين.
وفي ما يخص حدود هذه المواقف:
- ديكارت: يُهمل دور الجسد والتجربة الحسية في بناء الهوية، مما يجعل نظرته مثالية مبالَغاً فيها.
- لوك: قد تكون الذاكرة ناقصة أو مشوَّهة، فكيف تُبنى هوية سليمة على أساس هش؟
- شوبنهاور: يجعل الإرادة عمياء ولاواعية، وهو ما يُقوِّض إمكانية الحرية والمسؤولية الأخلاقية.
- فرويد: يُضخّم دور اللاوعي على حساب الفاعلية الواعية للشخص.
- هيوم: يُذوّب الهوية في سيولة من الإحساسات، فلا يترك مجالاً للحديث عن مسؤولية أو التزام أخلاقي.
تركيب واستخلاص
💡
خلاصة: تتقاطع المواقف الفلسفية المدروسة على الإقرار بأن هوية الشخص إشكالية مركّبة لا تنحل بإرجاعها إلى عنصر أحادي. فلا العقل المجرد عند ديكارت وحده يكفي، ولا الذاكرة والشعور عند لوك وحدهما يكفيان، ولا الإرادة عند شوبنهاور، ولا الترابط النفسي عند لاشوليي. وما يكشفه فرويد وهيوم من أن الهوية مهددة من الداخل لا ينفي ضرورة افتراض استمرارية ما تُتيح للشخص حمل مسؤوليته الأخلاقية والقانونية والتواصل مع الآخرين. وعليه، تبدو الهوية الشخصية بنية ديناميكية متعددة الطبقات: وعي وذاكرة وإرادة وطبع نفسي، تتشابك وتتوتر دون أن يكون لأحدها الأولوية المطلقة على الآخرين.