Philosophie · 2ème année Bac — Lettres

مفهوم المسألة العلمية في العلوم الإنسانية (المحور الأول : موضعة العلوم الإنسانية)

إشكال المحور الأول: هل يمكن موضعة الظاهرة الإنسانية؟

يطرح المحور الأول من مجزوءة المعرفة سؤالاً جوهرياً يتعلق بإمكانية تحويل الظاهرة الإنسانية إلى موضوع للدراسة العلمية الموضوعية: هل يمكن للعلوم الإنسانية أن تعامل الإنسان والمجتمع بالمنهجية ذاتها التي تعامل بها العلوم الطبيعية ظواهرها؟ وهل تستطيع هذه العلوم أن تبلغ درجة من الموضوعية تضاهي ما حققته الفيزياء والكيمياء؟ تتمحور الصعوبة الكبرى حول حقيقة أن الباحث في العلوم الإنسانية هو في الآن ذاته الدارسُ والموضوعُ المدروس، مما يجعل مسألة الحياد العلمي المطلق موضع جدل حاد بين الفلاسفة وعلماء الاجتماع.

المواقف الفلسفية المؤطِّرة للمحور

إميل دوركايم: الحقائق الاجتماعية أشياء قابلة للموضعة الكاملة

يمثّل إميل دوركايم (1858-1917) الموقف الوضعي الأكثر جرأةً في الدفاع عن علمية العلوم الإنسانية. يرى دوركايم أن دراسة المجتمع ممكنة بالموضوعية الكاملة شريطة أن يعامل الباحث الظواهر الاجتماعية معاملة الأشياء المادية الخارجية. ويُعرّف دوركايم الحقائق الاجتماعية بأنها طرق للسلوك والتفكير والشعور خارجة عن الفرد ولها قوة تأثير تستطيع به أن تفرض نفسها عليه.
يُميّز دوركايم لهذه الحقائق جملةً من الخصائص الجوهرية:
  • الموضوعية: لها وجود مستقل خارج وعي الأفراد، فهي لا تتوقف على إرادة شخص بعينه.
  • الإلزامية: تفرض نفسها على سلوك الأفراد وتفكيرهم بقوة ضاغطة مستقلة عن رغباتهم.
  • الترابط: ترتبط الظواهر الاجتماعية ببعضها بعلاقات قابلة للرصد والمقارنة والقياس.
ويستند دوركايم إلى دراسته الشهيرة عن ظاهرة الانتحار دليلاً على صحة منهجه: فبدلاً من تفسير الانتحار بالدوافع النفسية الفردية، بيّن أن معدلاته ترتبط ارتباطاً منتظماً بدرجة التضامن الاجتماعي، مما يُثبت أن حتى أكثر السلوكيات خصوصية تخضع لقوانين اجتماعية موضوعية يمكن قياسها بالإحصاء والمقارنة.

جان بياجيه: مفارقة الذات التي تدرس ذاتها

على النقيض من الثقة الوضعية، يكشف جان بياجيه (1896-1980) عن مفارقة بنيوية عميقة تعصف بطموح الموضعة الكاملة. يلفت بياجيه الانتباه إلى أن الباحث في العلوم الإنسانية يدرس الإنسان وهو نفسه إنسان، وهو ما يجعل المسافة العلمية بين الذات والموضوع شبه مستحيلة التحقق.
«الباحث يدرس الإنسان وهو نفسه إنسان» — جان بياجيه
يفصّل بياجيه هذه الإشكالية في ثلاثة وجوه متمايزة:
  • الملاحظة ذاتها قد تُحدث تغييرات في الظاهرة المدروسة، فمجرد حضور الباحث يؤثر في سلوك المبحوثين.
  • الباحث محمّل بأحكام قبلية وقيم ثقافية وشخصية تتسلل إلى أدوات قياسه وتساؤلاته الأولى.
  • يستحيل فصل الذات المتمركزة عن الذات العارفة، أي أن الموضوعية المنشودة تظل نسبية لا مطلقة.

كلود ليفي شتراوس: الوعي عدوٌّ خفيٌّ لعلوم الإنسان

يتبنى كلود ليفي شتراوس (1908-2009) موقفاً تركيبياً دقيقاً: فهو لا يُسقط إمكانية الموضعة إسقاطاً تاماً، لكنه يُنبّه إلى خطورة الوعي الذاتي للباحث باعتباره عائقاً معرفياً صامتاً.
«الوعي هو العدو الخفي لعلوم الإنسان» — كلود ليفي شتراوس
يرى ليفي شتراوس أن العلوم الإنسانية تقدم في نهاية المطاف حكمة وسيطة بين المعرفة الخالصة والمعرفة النافعة: فهي لا تُفسّر تفسيراً آلياً نهائياً، ولا تتنبأ بيقين تام كما تفعل الفيزياء. ويدعو إلى الحفاظ على مسافة منهجية بين الملاحِظ والملاحَظ عبر الاستناد إلى الأنماط البنيوية العميقة التي تتجاوز الوعيَ الظاهر للأفراد.

ميكيل دوفرين: رفض الاختزال العلمي للإنسان

يذهب ميكيل دوفرين أبعد من بياجيه وليفي شتراوس ليرفض رفضاً صريحاً معاملة الإنسان معاملة الموضوع الآلي. يؤكد دوفرين أن الاختزال العلمي يسلب الإنسانَ خصائصه الفريدة، إذ الإنسان كائن واعٍ حرٌّ لا تُستنفد ماهيته بالوصف الكمي أو المقارنة الإحصائية. لذلك يرى ضرورة احترام تعدد أبعاد الظاهرة الإنسانية التي تأبى الاختزال في نموذج واحد.

المناقشة: مقارنة المواقف وحدودها

تتقاطع هذه المواقف وتتباين في نقاط فارقة. فدوركايم يُسلّم بأن تداخل الذات بالموضوع مشكلة، لكنه يرى أن الانضباط المنهجي كافٍ للتغلب عليها، في حين يعتبر بياجيه هذا التداخل مفارقةً بنيوية لا حلاً منهجياً وحده يتجاوزها. ومكمن القوة في موقف دوركايم أنه أنجز فعلاً دراسات تجريبية منتجة بيّنت ارتباطات منتظمة بين الظواهر الاجتماعية، مما يُثبت أن الموضعة ممكنة إلى حدٍّ ما. غير أن النقد الجوهري الموجَّه إليه هو أن الموضوعية المنهجية قد تُخفي انحيازات الأسئلة الأولى التي يطرحها الباحث قبل أن يبدأ قياسه.
أما ليفي شتراوس فيُقدّم حلاً مبتكراً يتمثل في الاشتغال على الأنماط البنيوية العميقة بدلاً من الوعي الظاهر، غير أن حدّ هذا الموقف يكمن في احتمال إهماله لدور المعنى الواعي الذي يُعطيه الأفراد لأفعالهم. وفي المقابل، يُحذّر دوفرين من خطورة أي موضعة تُسقط البُعد الحر والواعي في الإنسان، لكن خصومه يلاحظون أن رفض النموذج الطبيعي كلياً قد يُفضي إلى تضييق أفق المعرفة الإنسانية بدلاً من توسيعه.
يبرز من هذا الجدل أن الموضعة الكاملة للظاهرة الإنسانية غير ممكنة بالمعنى الصارم الذي تحققه العلوم الطبيعية، لأن الإنسان كائن واعٍ يحمل قيماً ومقاصد تجعله مختلفاً عن الظاهرة المادية الصامتة. في الوقت ذاته، لا يعني ذلك استحالة أي معرفة علمية بالإنسان، بل يعني ضرورة تطوير معايير علمية ملائمة لخصوصية موضوعها.

تركيب وخلاصة

💡
خلاصة: يكشف المحور الأول أن مسألة موضعة الظاهرة الإنسانية تتوزع بين قطبين متقابلين: قطب دوركايمي وضعي يؤمن بإمكانية دراسة الظواهر الاجتماعية كأشياء موضوعية خاضعة للقياس والإحصاء والمقارنة، وقطب نقدي يمثّله بياجيه ودوفرين يُؤكد أن تداخل الذات بالموضوع واستحالة الحياد المطلق يجعلان الموضعة الكاملة وهماً منهجياً. ويُقدّم ليفي شتراوس موقفاً وسطاً يُقرّ بإمكانية الموضعة الجزئية مع التنبيه إلى أن الوعي الذاتي للباحث عائق ينبغي أن يتحول إلى أداة رقابة لا إلى سببٍ لإلغاء الطموح العلمي. والخلاصة أن العلوم الإنسانية تحتاج إلى عقلانية مناسبة لطبيعة موضوعها، عقلانية تجمع بين الانضباط المنهجي والوعي بحضور الذات الباحثة وخصوصية الكائن الإنساني الحر والواعي.