Education Islamique · 2ème année Bac — Lettres

الإجتهاد والتجديد

الاجتهاد والتجديد — درس في الفقه وأصوله والمقاصد

أولاً: تعريف الاجتهاد والتجديد

الاجتهاد

الاجتهاد لغةً: بذل الجهد والطاقة في طلب شيء ما. أما اصطلاحاً فهو بذل الفقيه وسعه واستفراغ طاقته في استخراج الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية؛ أي أنه عملية فكرية منظمة ومنضبطة تستهدف الوصول إلى حكم شرعي عملي في مسألة بعينها.

التجديد

التجديد لغةً: إعادة الشيء إلى حالته الأولى بعد اندراسه وذهاب آثاره. وفي السياق الشرعي هو إحياء ما اندثر من أحكام الشريعة وإيضاح ما غمض منها، وتطبيق مقاصد الشريعة على المستجدات المعاصرة مع الحفاظ على الثوابت الشرعية.

العلاقة بين المفهومين

الاجتهاد هو الوسيلة والأداة التي يتحقق بها التجديد؛ إذ لا يمكن تجديد الفقه وتطبيق أحكام الشريعة على الأحوال المستجدة إلا عبر اجتهاد مستنير يراعي مقاصد الشريعة ويحافظ على أصولها الثابتة. فالعلاقة بينهما علاقة وسيلة بغاية.

ثانياً: أقسام الاجتهاد ودرجاته

أقسام الاجتهاد

ينقسم الاجتهاد من حيث نطاقه إلى قسمين رئيسيين:
  • الاجتهاد المطلق: وهو بذل الجهد من قبل مجتهد مستوفٍ لجميع الشروط في استنباط الأحكام من أدلتها في شتى أبواب الفقه.
  • الاجتهاد المقيد (الجزئي): الاجتهاد في مسائل محددة أو باب فقهي معين ضمن مدرسة فقهية معروفة، وهو ما أجازه المالكية لمن لم يستوفِ شروط الاجتهاد المطلق.

درجات المجتهدين

  1. المجتهد المطلق: الذي يجتهد في جميع الأحكام انطلاقاً من أدلتها التفصيلية.
  1. المجتهد في المذهب: الذي يجتهد ضمن أصول وقواعد مذهب فقهي معين.
  1. المجتهد في المسألة: الذي يجتهد في مسائل معينة بعينها.

شروط المجتهد

لا يُعتدّ بالاجتهاد إلا ممن توفرت فيه جملة من الشروط، أبرزها:
  • العلم بكتاب الله تعالى: معرفة آيات الأحكام والمحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ.
  • العلم بالسنة النبوية الصحيحة: تمييز الصحيح والحسن من الضعيف والموضوع.
  • العلم بالإجماع: الإحاطة بما اتفق عليه الصحابة والعلماء.
  • معرفة مقاصد الشريعة: فهم الحِكَم من وراء التشريعات.
  • إتقان اللغة العربية: لفهم دقائق النصوص والتفريق بين المعاني.
  • العدالة والورع: أن يكون المجتهد تقياً يقصد وجه الله لا تبرير الأهواء.

ثالثاً: الأدلة الشرعية

من القرآن الكريم

قال الله تعالى في سورة النجم (الآية 39):
وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ
تدل هذه الآية الكريمة على أن الإنسان يجني ثمرة اجتهاده وسعيه، وأن الله تعالى لا يُضيع عمل من عمل وبذل جهده في طاعته.
وقال تعالى في سورة العنكبوت (الآية 69):
وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ
وعد الله سبحانه بالهداية والتيسير لكل من يجاهد ويسعى في طاعته وابتغاء مرضاته، وهو وعد يشمل المجتهد الذي يبذل وسعه في خدمة الشريعة.
وقال تعالى في سورة البقرة (الآية 286):
لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ
تؤصل هذه الآية مبدأ التكليف بحسب الطاقة، مما يُسوِّغ الاجتهاد في حدود الإمكانية البشرية ويمنع التكلف والتشدد غير المبرر.
وقال تعالى في سورة المائدة (الآية 48):
فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ
تحث هذه الآية على السعي والمسابقة في الأعمال الصالحة، وفي ذلك حث صريح على الاجتهاد والمبادرة في ابتغاء الخير.

من السنة النبوية الشريفة

روى أبو داود (رقم 4291) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا
صحّح هذا الحديث الحاكم والبيهقي والحافظ ابن حجر. والمراد بالتجديد: إحياء سنن الإسلام الدارسة وتطبيق أحكامه على الواقع المتغير. وفيه دليل صريح على أن التجديد سنّة إلهية في هذه الأمة لا تنقطع.
وأما حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه — الذي رواه أبو داود والترمذي والدارمي — فقد ورد فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن سأله كيف يقضي، فأجاب معاذ: بكتاب الله، فإن لم يجد فبسنة رسول الله، فإن لم يجد اجتهد رأيه ولا يألو. فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك وأثنى عليه. وقد تلقّى العلماء هذا الحديث بالقبول واحتجوا به في تقرير مشروعية الاجتهاد، وإن تفاوتوا في الحكم على إسناده الخاص.

رابعاً: مقاصد الشريعة الإسلامية وعلاقتها بالاجتهاد

تقوم الشريعة الإسلامية على جملة من المقاصد الكلية التي يصطلح عليها العلماء بالضروريات الخمس، وهي الركيزة التي ينبغي أن يصدر عنها كل اجتهاد وتجديد:
  1. حفظ الدين: وهو أعلى المقاصد وأسماها، إذ هو أساس استقامة الحياة؛ ويتحقق بالدعوة إلى الله ونشر العلم الشرعي وتطبيق أحكام الشريعة.
  1. حفظ النفس: بمنع قتل الأنفس بغير حق وصون الإنسان من كل ما يُضعفه، ويتحقق ذلك بتحريم القتل وتشريع القصاص والدية.
  1. حفظ العقل: بحماية العقل من كل ما يُفسده أو يُذهبه، ويتجلى في تحريم الخمر والمخدرات وسائر المُسكرات.
  1. حفظ النسل (العِرض): بتنظيم العلاقات الأسرية بما يضمن نقاء الأنساب واستمرار النسل، ويتحقق بتشريع الزواج وتحريم الزنا.
  1. حفظ المال: بصون الملكيات من الضياع والاعتداء، ويتجلى في تحريم السرقة والربا والغش والتدليس.
إن الاجتهاد الصحيح لا يُعتدّ به إلا إذا صدر عن فهم عميق لهذه المقاصد الكلية والجزئية؛ والتجديد في حقيقته هو إعادة تطبيق هذه المقاصد على الواقع المتغير مع صون الثوابت الشرعية والأصول الكلية من أي مسّ أو تجاوز.

خامساً: أمثلة تطبيقية — الاجتهاد في المذهب المالكي

يُولي المذهب المالكي أهمية بالغة لأدوات الاجتهاد والتجديد، ومن أبرز آلياته التي تجعله قادراً على استيعاب المستجدات:
  • المصلحة المرسلة: النظر في مصالح الناس التي لم يرد فيها نص بعينه، بشرط ألا تُعارض الشريعة، وهو مبدأ يتيح للفقيه المالكي معالجة المستجدات التي أسكتت عنها النصوص.
  • العرف: اعتبار العادات والأعراف الصحيحة التي لا تصادم الشريعة مصدراً من مصادر الاجتهاد، مما يُكسب الفقه المالكي مرونة تراعي السياقات الاجتماعية والثقافية.
  • الاستحسان: ترجيح حكم على آخر لدليل أقوى أو مصلحة أرجح، وهو أداة اجتهادية ناعمة تحول دون التطبيق الجامد للقواعد.
  • الاجتهاد الجزئي: إجازة الاجتهاد في الفروع والمسائل لمن لم يستوفِ شروط الاجتهاد المطلق، مما يُوسّع دائرة الاجتهاد ويُتيح للفقهاء الاشتغال على مسائل عصرهم.
ومن التطبيقات العملية المعاصرة للاجتهاد: استحداث عقود التأمين التكافلي، والفقه الاقتصادي الإسلامي في مسائل المعاملات المصرفية، وأحكام التقنية الحيوية والطب الحديث — كلها مسائل خضعت للاجتهاد الجماعي المعاصر انطلاقاً من مقاصد الشريعة وأدوات المذهب.

سادساً: ضوابط الاجتهاد والتجديد

حتى لا يتحول الاجتهاد إلى فوضى فكرية أو ذريعة لهدم الثوابت، وضع العلماء جملة من الضوابط:
  • الحفاظ على الثوابت الشرعية: الاجتهاد والتجديد لا يطالان العقائد القطعية ولا ما ثبت بنصوص قطعية؛ فالقطعيات لا تقبل الاجتهاد بأي حال.
  • الاستناد إلى الأدلة الشرعية: لا اجتهاد معتبراً إلا ما قام على الكتاب والسنة الصحيحة والإجماع والقياس والمصالح المرسلة والعرف الصحيح.
  • النية والإخلاص: المجتهد يجب أن يقصد وجه الله تعالى لا تبرير الأهواء أو إرضاء السلطة.
  • الاحترام المتبادل: ينبغي احترام اجتهادات الفقهاء المختلفة وعدم تكفير المخالف إذا اجتهد واتبع الدليل وسلك السبيل الصحيح.
  • رعاية مصالح الناس: يجب أن يراعي الاجتهاد المصالح الحقيقية للناس التي لا تتعارض مع نصوص الشريعة وأصولها.

سابعاً: القيمة والمقصد — فوائد الاجتهاد والتجديد

يحمل الاجتهاد والتجديد قيماً عميقة تُجسّد صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان:
  1. استمرارية الشريعة: يضمنان أن تظل الشريعة حيّة فاعلة في كل عصر، وهو ما يُجسّد خاصية الخلود في الإسلام.
  1. مواكبة التطورات: يُمكّنان الفقه الإسلامي من مواجهة التحديات الحضارية والعلمية الجديدة بأدوات مشروعة وأجوبة معتمدة.
  1. الحفاظ على وحدة الأمة: الاجتهاد المنضبط يُوحّد الرأي الشرعي حول القضايا المستجدة ويحول دون الفوضى الفكرية والاختلاف المذموم.
  1. تطوير الفقه الإسلامي: هما الرافد الحي الذي يُثري الفكر الشرعي بحلول معاصرة ومعالجات جديدة.
  1. تحقيق المقاصد الشرعية: يُعين الاجتهاد المستنير على صون الضروريات الخمس وتطبيقها في كل أحوال المجتمع.
  1. إثبات شمولية الإسلام ومرونته: تجليّ خاصيتَي الشمول والمرونة في الشريعة الإسلامية، إذ تغطي جميع جوانب الحياة مع قابلية التطبيق في كل زمان ومكان.
💡
خلاصة: الاجتهاد والتجديد ليسا ترفاً فكرياً بل هما ضرورة شرعية تفرضها سنة التطور الإنساني؛ فالاجتهاد أداةٌ وعملية، والتجديد غايةٌ ومقصد. وكلاهما ينطلق من أصول الشريعة الثابتة ويصبّ في تحقيق مقاصدها الكلية الخمس: حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال. وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم الاجتهاد عند معاذ، وأخبر أن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها — فالتجديد سنّة إلهية ماضية إلى يوم القيامة. وشرطه الأول أن يصدر عن علم راسخ وإخلاص تام وورع يصون العلم من الانزلاق إلى تبرير الأهواء.