Education Islamique · 2ème année Bac — Lettres

سورة يس: الجزء الثاني (من الآية 12 إلى الآية 28)

سورة يس: الجزء الثاني — من الآية 13 إلى الآية 28

تقديم المقطع وموضوعه
يتناول هذا المقطع الكريم من سورة يس قصةً مثلاً بليغاً ضربه الله للمشركين، تتمحور حول أصحاب قرية جاءها المرسلون بالحق فكذّبوهم وتوعّدوهم بالأذى. يعرض المقطع نموذجين متقابلين: نموذج الكفر والعناد الذي جسّده أهل القرية، ونموذج الإيمان والتضحية الذي جسّده رجل مؤمن جاء من أقصى المدينة يدعو قومه. ويختم المقطع بمصير هذا المؤمن الشهيد الذي نال الجنة، ومصير القوم الظالمين الذين أهلكهم الله بصيحة واحدة. وتتضافر في هذا المقطع محاور ثلاثة كبرى: مشروعية الدعوة وواجب البلاغ، وأصالة التوحيد وبطلان الشرك، وعاقبة الصادقين مع الله في مقابل عاقبة المكذبين.

النص القرآني الكريم (الآيات 13–28 من سورة يس)

وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ ﴿13﴾ إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ ﴿14﴾ قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَـٰنُ مِن شَيْءٍ إِن أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ ﴿15﴾ قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ﴿16﴾ وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ ﴿17﴾ قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ ۖ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا نَرْجُمْكُم وَلَيَمَسَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿18﴾ قَالُوا طَائِرُكُم مَّعَكُمْ ۚ أَئِن ذُكِّرْتُم ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ ﴿19﴾ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ﴿20﴾ اتَّبِعُوا مَن لَّا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴿21﴾ وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿22﴾ أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَـٰنُ بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونِ ﴿23﴾ إِنِّي إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴿24﴾ إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ ﴿25﴾ قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ ۖ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ﴿26﴾ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ﴿27﴾ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ ﴿28﴾

شرح المفردات الغريبة

  • وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً: اجعل لهم مثلاً، أي اسرد عليهم قصة على سبيل التمثيل والتوضيح.
  • فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ: قوّينا وشددنا ظهر الرسولين بإرسال رسول ثالث يعزز الدعوة.
  • تَطَيَّرْنَا بِكُمْ: تشاءمنا بكم، من الطيرة وهي التشاؤم بالشيء.
  • نَرْجُمْكُم: نرميكم بالحجارة حتى الموت، وهو التهديد الشديد.
  • طَائِرُكُم مَّعَكُمْ: شؤمكم لازم لكم وكامن في أعمالكم، لا في الرسل.
  • مُّسْرِفُونَ: متجاوزون الحد في الكفر والعصيان والظلم.
  • مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ: من أبعد أطراف المدينة وأقصى نواحيها.
  • يَسْعَىٰ: يسرع في المشي مبادراً بالنصح لقومه.
  • فَطَرَنِي: خلقني وأنشأني وأوجدني من العدم.
  • لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً: لا تنفع آلهتهم ولا تدفع عني ضراً ولا تُجدي شفاعتها شيئاً.
  • ضَلاَلٍ مُّبِينٍ: انحراف واضح بيّن عن طريق الحق.
  • الْمُكْرَمِينَ: المرفوعين المكرّمين عند الله في الجنة.

المعاني والمضامين والمقاصد آيةً آية

أولاً: إرسال الرسل وتكذيب القوم — الآيات 13 إلى 15

يأمر الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يضرب للمشركين هذا المثل، ليكون تسلية له وتحذيراً لهم. أُرسل إلى هذه القرية رسولان في البداية، فكذّبهما أهلها، فزاد الله الحجة عليهم بإرسال رسول ثالث يقوّي رسالتهم ويعزز موقفهم. فما كان من القوم إلا أن ردّوا بشبهة من أعجب الشبهات وأضعفها: أنتم بشر مثلنا، والله لم ينزل شيئاً. وهذه الشبهة ليست حجة بل مراوغة، فبشرية الرسل دليل على إمكانية الاقتداء بهم، ولا تمنع أن يصطفيهم الله برسالته.

ثانياً: الرسل يحتجون بعلم الله ويُحدّون حدودهم — الآيتان 16 و17

لم يتورط الرسل في جدل عقيم، بل ردّوا بما هو أقوى من كل حجة: الله يعلم أننا صادقون في رسالتنا. ثم أعلنوا حدودهم بصراحة تامة: ليس علينا إلا البلاغ المبين، لسنا مسؤولين عن هدايتكم، ولسنا قادرين على إجباركم. وفي هذا تعليم عميق لكل داعية: مهمته التبليغ لا الإكراه، والبيان لا القسر، والله هو الذي يهدي من يشاء.

ثالثاً: التهديد بالرجم والرد عليه — الآيتان 18 و19

لما أعجزت شبهةُ العقل أهلَ القرية، لجأوا إلى سلاح القوة والترهيب: تشاءمنا بكم، وإن لم تتوقفوا رجمناكم وعذبناكم. فجاء رد الرسل حكيماً محكماً: طائركم معكم، أي أن الشؤم لا يأتيكم من الرسالة والذكر، بل هو صنيعتكم أنتم وثمرة إسرافكم. وفي هذا إعلان أن التذكير بالله نعمة لا نقمة، وأن من يتشاءم بالدعوة إلى الخير فإنما هو واهم مسرف.

رابعاً: الرجل المؤمن من أقصى المدينة — الآيات 20 إلى 21

في هذا المشهد البديع يبرز صوت مختلف: رجل لم يكن في دائرة النخبة الدينية أو السلطة، بل جاء من أقصى المدينة، ومع ذلك بادر بالسعي مسرعاً ليُسمع صوته. دعا قومه بالحكمة: اتبعوا هؤلاء الرسل لأنهم لا يطلبون منكم أجراً، ولأنهم مهتدون. وفي هذا الاحتجاج لطف بالغ: الداعي الصادق لا مصلحة مادية له من دعوتك، وهذا دليل صدق دعوته.

خامساً: حجة التوحيد الخالصة — الآيات 22 إلى 24

ينتقل الرجل المؤمن بعد الدعوة إلى تقرير حجته الشخصية المنبثقة من العقل الفطري السليم: ما الذي يمنعني من عبادة الذي خلقني وإليه مرجعي؟ هذا هو المنطق الفطري: الخالق وحده يستحق العبادة. ثم يبطل عبادة الأصنام ببرهان قاطع: إن أصابني الرحمن بضر، فلن تشفع لي آلهتكم شيئاً ولن تقدر على إنقاذي. والإله الحق هو من يملك النفع والضر، ومن لا يملك ذلك لا يستحق أن يُعبد. وختم بالإقرار الصريح: من يعبد ما لا يملك نفعاً ولا ضراً فإنه في ضلال مبين.

سادساً: إعلان الإيمان والشهادة — الآيتان 25 و26

يُعلن الرجل إيمانه بصراحة تامة أمام قومه: إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ. وقد قيل إن القوم قتلوه شهيداً في سبيل الله، فكان الجزاء أن قيل له فوراً: ادخل الجنة. ومن جمال هذا المشهد أن المؤمن حتى بعد الشهادة ودخوله الجنة لم يُبدِ شماتة بقومه ولا حقداً، بل أبدى أسفه عليهم وتمنى لو يعلمون ما نال من مغفرة الله وكرامته، لعلهم يرجعون.

سابعاً: مصير القوم الظالمين — الآيتان 27 و28

يكشف المقطع الختامي عن هول العقوبة الإلهية في سياق التقليل والاحتقار لما كانت القوة الظاهرة تعدّه كبيراً: الله لم يحتج لجيوش السماء ولا لجنود عظام لإهلاك هؤلاء القوم. كان أمره واحداً بسيطاً: صيحة واحدة، فإذا هم خامدون. وفي هذا تنبيه إلى أن ما يبدو للإنسان قوة وعزة لا يساوي شيئاً أمام قدرة الله، وأن المكذبين بالرسل إنما يستعجلون حتفهم.

الدروس والعبر المستفادة

  1. الثبات على الحق في وجه التكذيب: الرسل لم تزعزع موقفَهم لا السخريةُ ولا التهديد بالرجم، فالداعي إلى الله مطالب بالثبات ومطمئن إلى أن الحق لا يُهزم.
  1. الحكمة في الرد على الشبهات: الرسل لم يردّوا بالعنف ولا بالسباب، بل بالحجة الواضحة والبيان المبين، مما يؤكد أن سلاح الداعية هو المنطق الراجح والعلم الصحيح.
  1. واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: الرجل المؤمن لم يكتفِ بإيمانه سراً، بل خرج من أقصى المدينة ليدعو قومه علناً رغم خطورة الموقف، وهذا نموذج في الشجاعة الإيمانية.
  1. بطلان الشرك بالعقل والفطرة: الحجة على بطلان الشرك ليست نقلية فحسب، بل عقلية فطرية: الإله الذي لا ينفع ولا يضر لا يستحق أن يُعبد.
  1. مكانة الإخلاص في الدعوة: الرسل لم يطلبوا أجراً، والمؤمن لم يدعُ إلا لوجه الله، وهذا الإخلاص هو الذي يكسب القلوب ويفرّق بين الداعية الحق والمتاجر بالدين.
  1. الشفقة على الخلق علامة صدق الإيمان: تمني الرجل المؤمن لقومه الهداية حتى بعد استشهاده يُثبت أن الإيمان الحق يورث الشفقة والرحمة لا الحقد والانتقام.
  1. عدل الله وسرعة عقابه لمن يتعدى حدوده: إهلاك القوم بصيحة واحدة دون جنود من السماء تجلٍّ من تجليات القدرة الإلهية المطلقة التي لا تحتاج إلى أسباب بشرية.
وقد جاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ»
وهذا الحديث يُعلي من شأن الدعوة إلى الله ويؤكد أن هداية نفس واحدة نتيجة البلاغ والصدق تستحق كل التضحيات. كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه:
«مَنْ دَعَا إِلَى هُدىً كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لاَ يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئاً»

المفاهيم الشرعية الأساسية في المقطع

  • التوحيد: اعتقاد وحدانية الله وإفراده بالعبادة وعدم الإشراك به في شيء، وهو جوهر رسالة الرسل.
  • البلاغ المبين: تبليغ الرسالة كاملة واضحة دون حذف أو تحريف، وهو الغاية القصوى من مهمة الرسل والدعاة.
  • الصبر على الأذى: احتمال المشقة والتهديد في سبيل الدعوة دون التراجع، وهو سمة كل مصلح صادق.
  • الإخلاص: قصد وجه الله في الدعوة دون طلب أجر مادي أو ثناء بشري، وهو شرط قبول العمل.
  • الشهادة في سبيل الله: بذل النفس ابتغاء مرضاة الله، والمكافأة الفورية بدخول الجنة كما يدل عليه السياق.
💡
خلاصة: يقدّم هذا المقطع من سورة يس درساً شاملاً في فقه الدعوة ومنهج التوحيد، من خلال ثلاثة مشاهد متكاملة: مشهد الرسل الثابتين في بلاغهم رغم التكذيب والتهديد، ومشهد الرجل المؤمن الذي ضرب المثل الأعلى في الشجاعة والإخلاص والشفقة على قومه حتى بعد استشهاده، ومشهد العقوبة الإلهية السريعة التي كشفت عن هشاشة المتكبرين أمام قدرة الله. ويبقى النموذج الأبرز في هذا المقطع هو الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى: مؤمن عادي لا منصب له ولا جاه، غير أن إيمانه الخالص وشجاعته الصادقة جعلاه يُكرَم بالجنة ويُخلَّد في القرآن الكريم إلى يوم القيامة.